القائمة

أخبار

القفطان المغربي #2: قفطان فاس… رمز حرفة تقليدية عريقة

على مرّ القرون، تطورت تقاليد اللباس في المغرب بفضل المهارات المحلية التي تفاعلت مع العادات الإقليمية ومستجدات الممارسة. ومن خلال تداخل الإرث المتوارث مع التأثيرات الراسخة، ولا سيما حضور العائلات الأندلسية التي استقرت في فاس، تجسّد القفطان، بوصفه رمز المدينة، مسار هذا التطور.

نشر مدة القراءة: 5'
القفطان المغربي #2: قفطان فاس… رمز حرفة تقليدية عريقة
DR

في مطلع القرن السادس عشر، وثّق الدبلوماسي الأندلسي الأصل حسن الوزان، المعروف بـ "ليون الإفريقي"، القفطان الفاسي في مؤلّفه المرجعي "وصف إفريقيا"، حيث وصفه بأنه "لباس طويل ومفتوح من الأمام يرتديه الرجال والنساء". وقد قدم في هذا العمل معطيات دقيقة عن الحياة في الضفة الجنوبية للمتوسط خلال العصور الوسطى، من عادات وتقاليد ولباس.

على مر القرون، تحولت فاس إلى أحد أبرز مراكز صناعة النسيج في المغرب، خاصة في إنتاج البروكار، وهو النسيج الفاخر الذي ارتبط بالقفطان الفاسي. ويعكس هذا اللباس تلاقح التأثيرات الأندلسية بالمهارات المحلية، ما جعله رمزا للحرفية المغربية الرفيعة.

وتوضح المصممة عزيزة بلخياط لـ"يابلادي" أن هذه التقاليد "انبثقت من التحركات التي طبعت تاريخ المغرب، ولا سيما استقرار الأسر الأندلسية في مدن عدة من بينها فاس، حيث واصلوا تطوير مهاراتهم في النسيج وصناعة الملابس".

Fondation Abderrahmane Slaoui / Ph. Alain Girodetمؤسسة عبد الرحمن السلاوي / تصوير: ألان جيرودي

«الخريب» و«النطع» و«بهجة»… رموز القفطان الفاسي

أسهم هذا الامتزاج الثقافي في تنويع الأقمشة والتطريزات، وتعزيز مكانة فاس كعاصمة للبروكار. وتؤكد بلخياط أن المدينة "كانت لوقت طويل، إن لم تكن المدينة الرمزية للبروكار"، ولا تزال حتى اليوم معروفة بهذه الصناعة وبقفاطينها التقليدية، خصوصا "الخريب" و"النتاع"، وهما من القطع الأساسية في جهاز العروس الفاسية.

ظل «الخريب» رمزا للفخامة والنسيج اليدوي، بتصاميمه المعقدة وزخارفه النباتية وخيوطه الذهبية. وقد ارتبط بعائلة بنشريف التي استقرت بفاس أواخر القرن التاسع عشر، وحافظت على تقاليد تعود إلى القرن الثالث عشر. ويشير اسمه إلى قيمة النسيج الباهظة، إذ قد "يُخرب" مشتريه لكلفته العالية.

كما يُطلق على القفطان المصنوع من البروكار اسم "بهجة"، في إشارة إلى ألوانه المشرقة، ويعرف أيضا بتسمية "الدنيا جت" رمزا للوفرة والتفاؤل. وتشير بلخياط إلى أن العرائس في فاس كنّ يرتدين كذلك "الباستيل"، إلى جانب قفطان «النطع» الذي تميز بألوان الأسود والأخضر.

Illustration : Jean Besancenot, «Costumes du Maroc» (1942)رسم توضيحي: جان بيسانسنو، «أزياء المغرب» (1942)

كما استخدم الحرفيون اللونين الأسود والأخضر في قفطان "النطع"، وبشكل أوسع، "صنعت القفاطين في المنطقة أيضا من المخمل وأحيانا من الساتان، مع تطريزات فاسية ورباطية مزخرفة بالورود، تُرسم على أجزاء محددة من اللباس باستخدام خيوط ذهبية"، حسب بلخياط.

وفي معرض توضيحها لتنوع هذه التوليفات ودورها في تطور القفطان الفاسي، تربط بلخياط دينامية هذا الإرث الثقافي بما شهدته التقاليد الطهوية، بل وحتى الموسيقى الأندلسية المغربية، من تطور مماثل.

في البداية، لم تكن هناك نوتات موسيقية لهذا النمط، ثم وضعت انطلاقا من الموسيقى نفسها. وبالطريقة ذاتها، لم يكن القفطان القديم ملتزما بنمط محدد، قبل أن يدمج هذا العنصر لاحقا في تكوين الحرفيين

عزيزة بلخياط
DRDR
خلال النصف الأول من القرن العشرين، قام المصور والرسام والمصمم وعالم الأنثروبولوجيا الفرنسي Jean Besancenot بتوثيق هذه الاستخدامات. ومن خلال رحلاته بين 1934 و1939، خلّد كتابه Costumes du Maroc هذه التقاليد وأبرز بعدها المحلي. وقد أعاد في رسوماته تصوير تفاصيل القفطان الفاسي بدقة، بما في ذلك الزخارف الزهرية وخيوط الذهب في "الخريب" الذي ترتديه العروس.

تحديث معرفة القفطان لحفظ التقاليد

على خلاف البروكار المحلي المستخدم في القفطان الفاسي، والذي كان يصدّر حتى إلى تركيا ويقدَّم هدايا بين العائلات الكبرى، كان المخمل غالبا ما يستورد من إيطاليا وأحيانا من فرنسا. وقد أولت عزيزة بلخياط، التي تلقت تكوينا في الخياطة الحديثة، اهتماما خاصا بتطوير أساليب النقل والاستخدامات، من أجل صون المهارة التقليدية للقفطان الفاسي.

حصلت المصممة سنة 1988 على دبلوم من مدرسة خياطة في بلجيكا، قبل أن تتجه سريعا إلى مجال التكوين. وفي عام 1989، أسست مدرسة التصميم والخياطة التقليدية (ESCOM) في فاس، حيث ركزت في البداية على الخياطة الأوروبية، قبل أن تعود تدريجيا إلى اللباس المغربي التقليدي بهدف الترويج للقفطان.

Ph. ESCOMتصوير: ESCOM

وقالت المصممة "وُلدت في فاس داخل عائلة كانت والدتي تمارس الخياطة ووالدي يبيع الخيوط. وكان أعمامي من خياطي الملابس التقليدية البارزين في خمسينيات القرن الماضي. نشأت في هذا الإرث، وخلال شهر رمضان بدأت أعرّف طلابي باللباس التقليدي. ثم أصبح هذا الجانب أولوية إلى أن أُدرج رسميا ضمن التكوين".

سعيا إلى الارتقاء بمستوى طلابها ومنحهم نموذجا يحتذى، أنشأت عزيزة بلخياط ورشة داخل المؤسسة، تصنع فيها القفاطين وتعدّ مجموعات خاصة وتنظم عروض أزياء. كما تحتفظ ببعض القفاطين التي تعود لوالدتها، إلى جانب مجموعة من القفاطين القديمة، عرضت جزءا منها العام الماضي في عرض للأزياء الشرقية بباريس، بالتعاون مع الأستاذ الوزاني.

واليوم، ترافق عزيزة بلخياط المتدربين والحرفيين، بعد أن أوكل إليها والي فاس إدارة "جنان القفطان" في المدينة العتيقة. وتعمل على جمع ورثة هذه التقاليد داخل المركز، لتصبح من أبرز المدافعين عن المهارة التراثية للقفطان، مع مراعاة تطور تطلعات الشباب وعلاقتهم بهذا اللباس.

Ph. ESCOMتصوير: ESCOM

وبحسب المتخصصة، فإن هذا المزيج يتيح اليوم إمكانات واسعة لإعادة تكييف وتخصيص هذا اللباس الرمزي لمدينة فاس. ففي المدينة، يجسد القفطان الفاسي الفخامة والأناقة والرقي، ويجمع بين الأصالة والحداثة، ويعكس في الآن ذاته حيوية الحرف اليدوية المحلية وانفتاحها على العالم.

كن أول من يضيف تعليق على هذا المقال