القائمة

أخبار

هل الاقتصاد المغربي مستعد لمواجهة صدمة الحرب في الشرق الأوسط؟

هل الاقتصاد المغربي مستعد لمواجهة تداعيات الحرب في إيران؟ سؤال يفرض نفسه بقوة في ظل تصاعد التوترات، خاصة مع ارتباط المملكة الوثيق بالأسواق العالمية للطاقة. وبين مخاطر ارتفاع الأسعار واضطراب الإمدادات، تبرز في المقابل، حسب خبراء اقتصاديين، فرص قد تعيد تموقع المغرب ضمن سلاسل القيمة الدولية.

نشر مدة القراءة: 6'
هل الاقتصاد المغربي مستعد لمواجهة صدمة الحرب في الشرق الأوسط؟
DR

في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، يواجه الاقتصاد المغربي اختبارا جديدا يضعه بين ضغوط خارجية مرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد، وفرص محتملة لإعادة التموضع ضمن سلاسل القيمة العالمية.

ويرى خبراء اقتصاديون أن المغرب يدخل هذه الأزمة بوضع “متوسط إلى جيد” ماليًا، مقابل هشاشة نسبية على مستوى السيادة الطاقية، بحكم اعتماده شبه الكامل على استيراد المحروقات.

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي خالد أشيبان أن الاقتصاد المغربي أثبت خلال السنوات الأخيرة قدرة واضحة على التكيف مع الأزمات، سواء خلال جائحة كوفيد-19، أو في سياق التضخم المرتبط بالحرب الروسية الأوكرانية، أو حتى خلال فترات الجفاف، حيث تمكن من تجاوز هذه الصدمات بأقل الأضرار، رغم التأثير المباشر على القدرة الشرائية للمواطنين

"هذه المرونة تعكس صمود القطاعات الصناعية وقدرتها على الاستمرار، ما يجعل الاقتصاد المغربي، قادرا على مواصلة هذا النهج وتجاوز الأزمة الحالية."

الخبير الاقتصادي خالد أشيبان

القدرة الشرائية في قلب التأثيرات

غير أن أشيبان شدد على أن الإشكال البنيوي الذي يواجه المغرب يتمثل في غياب السيادة الطاقية، "إذ لا ينتج النفط ولا الغاز، ما يجعله عرضة لصدمات خارجية قوية، تنعكس أولا على القدرة الشرائية للمواطنين، ثم على إنتاجية المقاولات بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، فضلا عن تأثيرها على علاقات المغرب مع شركائه الاقتصاديين"، حيث إن أي أزمة تصيب هذه الدول تنعكس مباشرة على الاقتصاد الوطني، وهو التحدي الرئيسي الذي يفرض نفسه في الظرفية الحالية، رغم اعتقاده بإمكانية تجاوزها .

من جانبه، يقدم المحلل الاقتصادي أمين سامي قراءة أكثر تركيبا، معتبرا أن المغرب يدخل هذه الأزمة بثلاث نقاط قوة أساسية، تتمثل في تحسن الهوامش المالية والخارجية مقارنة بفترات الأزمات السابقة، وتوفر احتياطي نقدي مهم، إضافة إلى تنويع نسبي في مصادر التزود بالطاقة. وفي المقابل، يواجه ثلاث نقاط ضعف "واضحة، تشمل التبعية لاستيراد المحروقات، وغياب التكرير المحلي، فضلا عن حساسية مرتفعة لأسعار النفط والشحن والتأمين ".

وأشار إلى أن بنك المغرب أكد بلوغ الأصول الاحتياطية الرسمية 455.8 مليار درهم، فيما اعتبر صندوق النقد الدولي أن للمغرب “مصدات كافية” لمواجهة الصدمات، مع استمرار خط الائتمان المرن كشبكة أمان.

وفي تقييمه لمستوى الاستعداد، أوضح سامي أن الوضع "متوسط إلى جيد ماليا، لكنه متوسط إلى هش طاقيا"، مبرزا أن أي اقتصاد يستورد معظم حاجياته من الوقود سيشعر بسرعة بآثار الصدمة. وفي هذا الإطار، أشار إلى أن المغرب يتوفر على مخزونات من الديزل تكفي 51 يوما والبنزين 55 يوما، مع تأمين إمدادات الفحم والغاز إلى نهاية يونيو، ما يتيح امتصاص صدمة قصيرة المدى، "لكنه لا يوفر حصانة في حال استمرار الأزمة وتحولها إلى صدمة ممتدة تعيد تسعير الطاقة والنقل والتأمين بشكل هيكلي ".

وبخصوص إمدادات الطاقة، يرى الخبراء أن الحرب قد تؤدي إلى اضطرابات متفاوتة، خاصة إذا استمر الاختناق في مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة مهمة من النفط والغاز عالميا. وفي هذا الصدد، أكد أشيبان أن المغرب يعمل على تنويع مصادر الإمداد عبر التعامل مع عدة دول منتجة، غير أن الإشكال الحقيقي يظل مرتبطا بارتفاع الأسعار، إذ يظل ملزما بالشراء وفق الأسعار العالمية، حتى في حال الابتعاد عن مناطق التوتر .
أما سامي، فأوضح أن المشكلة لا تتعلق فقط بمصدر الاستيراد، بل أيضا بكلفة الشحن والتأمين وزمن الوصول، معتبرا أن السوق العالمية تعيد تسعير المخاطر الجيوسياسية على الجميع، ما يجعل المغرب متأثرا حتى في حال تنويع شركائه.

وفيما يتعلق بأسعار المحروقات، أكد الطرفان أن المغرب يتأثر بشكل مباشر بأي ارتفاع عالمي، حيث شهدت الأسعار بالفعل زيادات متتالية، مع احتمال استمرار هذا المنحى في حال إطالة أمد الحرب. واعتبر سامي أن السؤال لم يعد ما إذا كانت الأسعار سترتفع، بل ما إذا كان الارتفاع سيكون مؤقتا أم سيتحول إلى موجة تضخمية جديدة، خاصة إذا استقر سعر النفط عند مستويات مرتفعة، ما سيؤثر على النقل والفلاحة والصناعة والميزانية.

المغرب مرشح ليصبح موردا بديلا للأسمدة

ولا تقف التداعيات عند حدود الطاقة، بل تمتد إلى قطاع الأسمدة، حيث أشار أشيبان إلى أن المغرب يستورد جزءا مهما من المواد الكيميائية الضرورية من الشرق الأوسط، ما يجعله عرضة لارتفاع الأسعار واضطرابات الإمدادات، وهو ما سينعكس مباشرة على كلفة الإنتاج .

غير أنه أبرز في المقابل أن هذا الوضع يحمل جانبا إيجابيا، إذ إن ارتفاع أسعار الأسمدة عالميا قد يعزز مداخيل التصدير، خاصة بالنسبة للمكتب الشريف للفوسفاط، الذي يتمتع بمصداقية دولية وقدرة على إيجاد بدائل للتزود وتسويق منتجاته بأسعار تعكس قيمتها.

من جهته، أضاف سامي أن الأزمة لا تقتصر على النفط، بل تمتد إلى سوق الأسمدة، حيث يمر نحو ثلث التجارة العالمية عبر مضيق هرمز، ما يجعل تعطيله يؤثر على إنتاج مصانع في الخليج ويرفع كلفة المدخلات، خاصة الأمونيا والكبريت، موضحا أن OCP، رغم قوته الصناعية، لا يزال يعتمد على استيراد بعض هذه المواد الحيوية، ما يجعله متأثرا بدوره بسلاسل التوريد العالمية .

ورغم هذه التحديات، يؤكد الخبراء أن المغرب يمتلك هامش مناورة بفضل اتفاقياته التجارية وقدرته على تنويع شركائه، وإن كان ذلك بكلفة أعلى. "كما أن ارتفاع الطلب العالمي على الأسمدة قد يحول المغرب إلى مورد مفضل خارج مناطق التوتر، ما يعزز موقعه في السوق الدولية"    .

وفي سياق متصل، تبرز فرص مرتبطة بإعادة توجيه أوروبا وارداتها نحو شركاء قريبين، حيث أوضح أشيبان أن الاتحاد الأوروبي يمثل الشريك التجاري الأول للمغرب، بأكثر من 67% من المبادلات، ما يعزز مكانته كشريك استراتيجي، خاصة في قطاعات مثل صناعة السيارات والنسيج والصناعات الغذائية والسياحة .
أما سامي، فاعتبر أن هذا التوجه نحو "القرب الجغرافي" يتعزز مع الأزمات، وقد يحول المغرب إلى منصة صناعية ولوجستية لأوروبا، إضافة إلى فرص في الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، بل وحتى في السياحة، حيث يمكن للمملكة استقطاب زوار يبحثون عن وجهات مستقرة.

وفيما يتعلق بكيفية مواجهة هذه التحديات، يرى سامي أن الحل يمر عبر مقاربة مزدوجة، تقوم على حماية القدرة الشرائية وتأمين الإمدادات من جهة، واستغلال الأزمة لتسريع التحول الطاقي وتعزيز التصنيع وجذب الاستثمارات من جهة أخرى، من خلال إجراءات تشمل دعما موجها للقطاعات المتضررة، وتوسيع المخزونات، وترشيد الاستهلاك، وتسريع مشاريع الطاقات المتجددة.

وفي المحصلة، يجمع الخبراء على أن الاقتصاد المغربي سيواجه، على المدى القصير، ضغوطا حتمية مرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة والتضخم، غير أن هذه الأزمة قد تتحول، على المدى المتوسط، إلى فرصة استراتيجية لإعادة تموقعه كفاعل رئيسي في سلاسل القيمة الإقليمية والدولية، شرط سرعة اتخاذ القرار واستثمار الظرفية بشكل فعال.

كن أول من يضيف تعليق على هذا المقال