للوهلة الأولى، قد يظن كثير من المغاربة أنهم يتجولون في الأزقة الضيقة للمدينة العتيقة في مراكش. جدران بلون المغرة، ممرات متعرجة، أبواب خشبية منحوتة، أسواق نابضة بالحياة وحرفيون يعملون داخل ورش صغيرة: كل شيء يستحضر أجواء المدينة الحمراء. غير أن المشهد لا يجري في المغرب، بل على بعد نحو 8 آلاف كيلومتر، في كاشغر، وهي مدينة واحات قديمة تقع في منطقة شينجيانغ الويغورية ذاتية الحكم، في أقصى غرب الصين.
وقد أثارت مقاطع الفيديو المتداولة على الإنترنت عن كاشغر دهشة عدد كبير من المغاربة بسبب شبهها بمراكش. وخلال زيارتها للمدينة، قالت صانعة محتوى مغربية إنه لولا اللافتات المكتوبة بالصينية، لظن أي شخص أنه موجود في المغرب. وكان التشابه لافتا إلى درجة أنها خاطبت إحدى الساكنات تلقائيا بالدارجة المغربية. وتقول في الفيديو "لا أعرف كيف أفسر ذلك، أشعر وكأنني في مراكش". وقد عبر عدد من صنّاع المحتوى العرب عن الانطباع نفسه، إذ أكد كثيرون منهم أنهم شعروا وكأنهم يستكشفون مدينة مغربية عتيقة لا واحدة من أقدم مدن الصين.
على طرق الحرير
غير أن هذه أوجه الشبه لا تعود إلى تأثير مباشر ولا إلى مجرد مصادفة. فقد تطورت المدينتان، في الواقع، ضمن تقليد معماري إسلامي أوسع، مع الاعتماد على تقنيات بناء متقاربة ومواد محلية متاحة للتكيف مع مناخين متشابهين.

تأسست كاشغر قبل أكثر من ألفي عام، وبرزت منذ القرن الثاني قبل الميلاد باعتبارها واحدة من أهم مدن الواحات على طريق الحرير القديم، أي أنها أقدم من مراكش، التي أسسها المرابطون في القرن الحادي عشر، بمرتين تقريبا. وبحكم موقعها عند ملتقى الطرق التي تربط الصين بآسيا الوسطى وبلاد فارس وشبه القارة الهندية، أصبحت كاشغر مركزا تجاريا وثقافيا مزدهرا، حيث كان التجار والحجاج والرحالة يتبادلون لا السلع فحسب، بل أيضا الأفكار والتقاليد الفنية.
وتتميز مدينتها القديمة، الممتدة على مساحة 3.6 كيلومترات مربعة، بمتاهة من الأزقة الضيقة المصممة لتوفير الظل في مواجهة حرارة الصيف الشديدة في المنطقة. وتمنح البيوت المبنية من الطين واللبن كاشغر تلك الدرجات الترابية نفسها التي تطبع مراكش، فيما تخفي الواجهات الخارجية البسيطة ساحات داخلية توفر الخصوصية والانتعاش الطبيعي، وهي عناصر مألوفة فورا لكل من سبق له أن جال في مدن مراكش أو فاس العتيقة.
ولا يقتصر الشبه على العمارة وحدها، فمثل مراكش، نشأت كاشغر حول أسواق حيوية كانت الأحياء فيها تنظّم تقليديا بحسب الحرف. ولا يزال نحاتو الخشب، وصناع النحاس، والخزافون، والنساجون، وباعة الطعام يحافظون هناك على مهارات توارثتها الأجيال، فيما تواصل بيوت الشاي والمخابز بث الحياة في الشوارع.
وفي قلب المدينة القديمة يقوم مسجد عيد كاه، أحد أكبر مساجد الصين. وقد شيد في الأصل في القرن الخامس عشر، ولا يزال المركز الروحي لكاشغر ورمزا لإرثها الإسلامي الممتد عبر قرون.

وعلى الرغم من عراقتها، لا تزال كاشغر مدينة حية، لا متحفا مفتوحا في الهواء الطلق. وبالنسبة إلى كثير من المغاربة الذين يكتشفونها عبر الإنترنت، يطرح سؤال نفسه تلقائيا: كيف يمكن لمكان يقع في أقصى آسيا أن يمنح هذا الإحساس القوي بمراكش؟


chargement...







