حاول أزيد من 40 ألف شخص، خلال الأسبوع الماضي، دخول مدينة سبتة، في موجة وصفتها السلطات بأنها أزمة هجرة غير مسبوقة. وخاطر رجال ونساء ومراهقون، إلى جانب عائلات برفقة أطفال، بحياتهم من أجل العبور، بالتزامن مع انتشار واسع للمقاطع المصورة التي وثقت هذه المحاولات على شبكات التواصل الاجتماعي.
غير أن عالم الاجتماع المغربي شكيب كسوس يرى أن الصعوبات الاقتصادية وحدها لا تكفي لتفسير هذه الظاهرة، مشيرا إلى تداخل ثلاثة عوامل رئيسية، تتمثل في الانتشار الواسع للمحتويات عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وتجذر ثقافة الهجرة داخل المجتمع، إلى جانب الصورة المثالية المرسومة عن الحياة في أوروبا.
حين تحوّل الخوارزميات الشائعات إلى أفعال
يرى كسوس أن موجة العبور غذتها تأويلات مضللة لقرار صادر عن المحكمة العليا الإسبانية، انتشرت على نطاق واسع عبر شبكات التواصل الاجتماعي. وقال إن "هؤلاء الأشخاص تعرضوا لمحتويات تزعم أن حدود سبتة مفتوحة، وأنه أصبح من الممكن تسوية الوضعية القانونية أو الحصول على الجنسية الإسبانية".
وبحسب كسوس، فإن الطريقة التي تعمل بها خوارزميات شبكات التواصل الاجتماعي ساهمت في تحويل هذه الشائعات إلى ظاهرة جماعية، من خلال تضخيم بعض المحتويات وتكرار عرضها على المستخدمين. وأوضح "بمجرد أن تشاهد مقطعا من هذا النوع، تواصل الخوارزمية اقتراح مقاطع مشابهة عليك، مرة بعد أخرى".
ويعتقد عالم الاجتماع أن التعرض المتكرر لهذه المحتويات أقنع عددا كبيرا من المستخدمين تدريجيا بصحة الادعاءات المتداولة، وهو ما يفسر، في نظره، مشاركة أشخاص لم يسبق لهم التفكير في خوض تجربة الهجرة غير النظامية.
وشدد على أن "كثيرين ممن حاولوا العبور لم يكونوا يفكرون أصلا في الوصول إلى سبتة بطريقة غير نظامية. لقد اتخذوا القرار بشكل مفاجئ، بعدما شاهدوا كل تلك المحتويات".
ولم يقتصر الأمر على العاطلين أو الأشخاص الذين يعيشون أوضاعا اجتماعية صعبة، إذ ترك بعض المشاركين وظائف مستقرة. وأضاف كسوس "اعتقدوا أنها فرصة غير مسبوقة، وأنها الآن أو لن تتكرر أبدا".
كما لعب توقيت هذه المحاولات دورا مهما، إذ تزامنت مع العطلة الصيفية، وهي فترة كان يقضي خلالها عدد كبير من الشباب المغاربة وقتهم في مدينتي تطوان وطنجة، القريبتين من سبتة.
وبالنسبة إلى كسوس، يعكس ذلك التأثير المتزايد الذي باتت تمارسه شبكات التواصل الاجتماعي على قرارات الشباب وسلوكياتهم. وقال "شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت جزءا من الحياة اليومية للشباب، ويمكنها أن تدفع شخصا إلى القيام بشيء لم يكن قد فكر فيه من قبل".
ما وراء الفقر
يحذّر كسوس من اختزال هذه الأحداث في الفقر أو اليأس فقط، معتبرا أن "الاعتقاد بأن كل هؤلاء الشباب الذين حاولوا العبور كانوا مدفوعين باليأس هو نوع من التبسيط الكاريكاتوري".
ويشير إلى أن جميع المشاركين في هذه المحاولات لم يكونوا يعيشون بالضرورة في أوضاع شديدة الهشاشة، مضيفا "بعضهم كان لديه عمل، لكنه قرر تركه لمحاولة العبور".
ولفهم أبعاد هذه الظاهرة، يرى عالم الاجتماع ضرورة تجاوز أحداث الأسبوع الماضي، والنظر إلى قناعة مترسخة داخل المجتمع المغربي منذ أجيال. ويوضح "في المغرب، لدينا هذه العقلية، وهذه القناعة بأن الهجرة إلى أوروبا أو إلى خارج البلد تعني حياة أفضل".
ويعيد كسوس جذور هذا التصور إلى الموجات الأولى لهجرة العمال المغاربة نحو أوروبا، إذ نجح المهاجرون آنذاك في تحسين ظروف عيش أسرهم من خلال الأموال التي كانوا يرسلونها إلى البلاد. كما كانوا يعودون إلى المغرب خلال العطل محملين بالهدايا، وعلى متن سيارات تعكس مظاهر النجاح، ما ساهم في ترسيخ الاعتقاد بأن الحياة في الخارج أفضل بالضرورة.
واستنادا إلى بحث ميداني وطني أنجزه مع المندوبية السامية للتخطيط في منتصف تسعينيات القرن الماضي، يذكر كسوس بأن نسبة مهمة من الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة كانت تحلم، منذ ذلك الوقت، بالهجرة يوماً ما. لذلك، يرى أن أحداث سبتة لم تخلق هذه الرغبة، وإنما أعادت تنشيطها فقط.
الوهم الأوروبي
يرى كسوس أن محدودية حرية التنقل المتاحة للمغاربة تشكل عاملاً آخر يغذي الصورة المتخيلة عن الهجرة والحياة في أوروبا.
ويعتقد أنه لو أتيحت للشباب المغاربة فرصة أكبر للسفر بحرية، لاكتشف كثيرون منهم أن الواقع يختلف بشكل كبير عن الصورة التي رسموها في أذهانهم. وقال "لو كان هؤلاء الشباب قادرين على السفر بحرية، لاستطاعوا الذهاب إلى هناك، ورؤية شكل الحياة والعمل فعليا، وتكوين رأيهم بأنفسهم، وربما تغيرت عقليتهم".
وفي ظل غياب هذه الإمكانية، بات الشباب يتعرفون إلى أوروبا ويعيشون صورتها بشكل متزايد عبر الشاشات. ويقول كسوس "الشباب يعيشون اليوم على الإنترنت، وحين ينشر الأشخاص المقيمون في الخارج على شبكات التواصل الاجتماعي، فإنهم لا يظهرون سوى الجوانب الإيجابية".
ويشير إلى أن المهاجرين العائدين إلى المغرب ينقلون، في كثير من الأحيان، الصورة الانتقائية نفسها. ويوضح "حين يعود شخص وصل إلى أوروبا بطريقة غير نظامية بعد ست أو سبع سنوات، فإنه يعود بسيارة جميلة وهدايا ومال".
لكن ما يظل غالبا بعيدا عن الأنظار هو حجم التضحيات الكامنة وراء مظاهر النجاح تلك، إذ يعيش كثير من المهاجرين، بحسب كسوس، بتقشف شديد طوال بقية السنة، حتى يتمكنوا من العودة إلى المغرب وتقديم صورة توحي بالنجاح.
ويضيف "يجب أن يفهم الناس أن ذلك لا يعكس الواقع بالضرورة".
وفي نهاية المطاف، يرى كسوس أن تغيير التصورات المرتبطة بالهجرة يتطلب معالجة أوجه اللامساواة التي تواصل توجيه طموحات الأفراد وخياراتهم. ويؤكد أن "المغرب لا يسير بسرعتين، بل بسرعات متعددة. والتعليم جزء من ذلك، وهو أحد الأسباب التي تدفع بعض الأشخاص إلى التفكير في الهجرة".
وتتجاوز خلاصة عالم الاجتماع نطاق سياسة الهجرة وحدها، إذ يختم قائلا "إذا أردنا تغيير هذه العقلية، فنحن بحاجة إلى تعليم أفضل، ورعاية صحية أفضل، وعدالة أقوى، واحترام أكبر لكرامة الأشخاص".


chargement...







