بتعيين فاطمة الزهراء المنصوري على رأس الحكومة، إثر فوز حزب الأصالة والمعاصرة في الانتخابات التشريعية لعام 2026، دخل المغرب مرحلة جديدة في تاريخه السياسي الحديث. فقد اختار الملك محمد السادس، هذا الأسبوع، أول امرأة لتولي هذا المنصب، في سابقة تعيد تسليط الضوء على مسار حضور النساء في مواقع السلطة والنفوذ بالمملكة.
ورغم أن رئاسة الحكومة ظلت، حتى هذا التعيين، حكرا على الرجال، فإن التاريخ المغربي عرف نساء أسهمن في توجيه شؤون الحكم وصناعة القرار. من كنزة الأوربية في عهد الأدارسة، إلى زينب النفزاوية في الدولة المرابطية، ثم السيدة الحرة وخناثة بنت بكار، اختلفت أشكال هذا النفوذ بين حماية سلالة حاكمة، وتقديم المشورة، وإدارة مدينة، والمشاركة في تدبير أزمات العرش.
كنزة الأوربية.. دور في استمرار الدولة الإدريسية
برز اسم كنزة الأوربية في مغرب القرن الثامن، مع بدايات تأسيس الدولة الإدريسية. وهي ابنة إسحاق بن محمد بن حميد، زعيم قبيلة أوربة الأمازيغية، وزوجة إدريس الأول وأم إدريس الثاني.
ارتبط مسارها بوصول إدريس الأول إلى المغرب، فارا من ملاحقات العباسيين عقب معركة فخ. فقد استقبلته قبيلة أوربة واعترفت بسلطته الدينية والسياسية، قبل أن تعزز تحالفها معه بزواجه من كنزة. وبفضل دعم القبيلة، تمكن من استقطاب جماعات أمازيغية أخرى وإرساء أسس دولة مستقلة.
شكل هذا الزواج صلة بين إدريس الأول والقاعدة التي استند إليها حكمه. وتشير المصادر التاريخية إلى أن كنزة ساندت مشروعه السياسي، ثم أسهمت، بعد وفاته، في ضمان استمرار السلالة الإدريسية.
كانت كنزة حاملا حين توفي زوجها، فواجهت مهمة حماية ابنهما قبل ولادته وتأمين مستقبله. وتنسب إليها مساهمة مهمة في رعاية إدريس الثاني ودعم وصوله إلى الحكم في الحادية عشرة من عمره، إلى جانب نفوذ سياسي مارسته خلال سنوات صغره

زينب النفزاوية.. مستشارة في قلب الحكم المرابطي
بعد قرون، برزت زينب النفزاوية خلال صعود الدولة المرابطية، التي حكمت منذ منتصف القرن الحادي عشر حتى سقوطها على يد الموحدين سنة 1147.
تنحدر زينب من جماعة نفزة أو نفزاوة الأمازيغية، وهي ابنة تاجر استقر في أغمات، أحد المراكز السياسية والتجارية المهمة آنذاك. وتصفها الروايات التاريخية بأنها امرأة ثرية، قوية الشخصية وحادة الذكاء، ارتبطت بالنخبة الحاكمة في المدينة من خلال زيجات سابقة.
قربها زواجها من القائد المرابطي أبي بكر بن عمر من دوائر الحكم، وبحسب الروايات، عندما اضطر إلى العودة إلى الصحراء بسبب الاضطرابات، طلقها ونصحها بالزواج من ابن عمه يوسف بن تاشفين، الذي كان قد عهد إليه بتدبير السلطة في الشمال.
ومع زواجها من يوسف، أصبحت زينب شخصية مؤثرة في الحكم المرابطي. ويقدمها المؤرخون بوصفها مستشارة موثوقة، كان يرجع إليها في شؤون الدولة والقرارات السياسية. كما يروى أن ثروتها أسهمت في تمويل مشاريعه، وأن مشورتها ساعدته على ترسيخ سلطته، فيما تنسب إليها بعض الروايات دورًا في تأسيس مراكش وتطويرها.
وتجسد إحدى الوقائع الحس السياسي المنسوب إليها، فعندما عاد أبو بكر من الصحراء، خشي يوسف أن يسعى إلى استعادة الحكم. ويروى أن زينب نصحته بتفادي المواجهة واستقبال ابن عمه بهدايا سخية، وهي استراتيجية أتاحت له الحفاظ على موقعه من دون إراقة دماء.

السيدة الحرة.. حاكمة تطوان وصاحبة نفوذ بحري
في القرن السادس عشر، تولت السيدة الحرة حكم تطوان، مستندة إلى روابطها العائلية وتكوينها السياسي، ثم إلى قوة أسطولها البحري.
نشأت في شفشاون في كنف والدها علي بن راشد، مؤسس المدينة، ووالدتها زهرة فرنانديز، وتعلمت العربية والإسبانية، كما تلقت تعليما في شؤون الحكم.
وفي سنة 1510، تزوجت محمد المنظري الثاني، القائد العسكري الأندلسي المغربي وحاكم تطوان، وشاركت في إدارة المدينة، متولية شؤونها خلال غيابه، قبل أن تنفرد بالحكم بعد وفاته وتحتفظ بالسلطة حتى سنة 1542.
خلال عهدها، أصبحت تطوان مركزا لاستقبال اللاجئين الأندلسيين وقاعدة لعمليات بحرية استهدفت السفن الإسبانية والبرتغالية. وأسهمت عائدات الشحنات المصادرة والفدى في دعم اقتصاد المدينة، بينما عزز تحالفها مع خير الدين بربروس نفوذها البحري، كما اضطلعت بدور دبلوماسي، خصوصا في المفاوضات المتعلقة بإطلاق سراح الأسرى الأوروبيين.
وفي سنة 1541، تزوجت السلطان أحمد الوطاسي، من دون أن تتخلى عن حكم تطوان، وانتقل السلطان من فاس لإتمام الزواج، بعدما اشترطت البقاء في المدينة. وقد منحها هذا التحالف دعما سياسيا، وأتاح له الاستفادة من مواردها ونفوذها في شمال المغرب.
لكن حكمها انتهى بعزلها سنة 1542، لتعتزل بعدها في شفشاون.

خناثة بنت بكار.. عالمة ومستشارة في البلاط العلوي
في عهد الدولة العلوية، جمعت خناثة بنت بكار بين المعرفة العلمية والنفوذ السياسي. فقد أدت دورا بارزا إلى جانب زوجها السلطان مولاي إسماعيل، ثم خلال حكم ابنها مولاي عبد الله. وتصفها مصادر تاريخية بأنها وزيرة ومستشارة موثوقة، في تعبير عن مكانة تجاوزت صفتها زوجة للسلطان.
تلقت خناثة تعليمها على يد والدها الشيخ بكار، واشتهرت بمعرفتها الدينية وإلمامها بالفقه والأدب. وجاء زواجها من مولاي إسماعيل سنة 1678 في سياق سعيه إلى تعزيز صلاته بالمجتمعات الصحراوية، فيما أسهمت روابطها العائلية وتكوينها العلمي في ترسيخ مكانتها داخل البلاط.
وعلى امتداد نحو خمسين عاما إلى جانب السلطان، أصبحت من أقرب مستشاريه، وبحسب المؤرخين، كان يستشيرها في شؤون الدولة، كما كان الناس يلجؤون إليها طلبا للوساطة.
وامتد تأثيرها إلى الدبلوماسية؛ إذ طلب سفير إنجليزي تدخلها بعدما تعثرت مفاوضات الإفراج عن أسرى إنجليز، وتنسب إليها الروايات دورا في إنجاح إطلاق سراحهم.

بعد وفاة مولاي إسماعيل سنة 1727، دخلت البلاد مرحلة من التنافس على العرش بين الأمراء، وسط تدخل فصائل عسكرية. وفي هذا السياق، سخرت خناثة خبرتها وتحالفاتها لدعم ابنها مولاي عبد الله.
ويروى أنها أسهمت، سنة 1740، في مصالحته مع قبيلة الوداية، بما وفر له دعما مهما خلال الاضطرابات اللاحقة. وفي السنة التالية، اضطرتها ثورة عسكرية إلى مغادرة مكناس نحو فاس الجديد، حيث لحق بها ابنها ووجد الحماية لدى الوداية وسكان فاس.
وظلت خناثة حاضرة في الحياة السياسية إلى أن توفيت سنة 1746، ودفنت في فاس الجديد.


chargement...







