القائمة

interview_1

هل تختبر زيارة فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية الشراكة بين المغرب وإسبانيا؟

تضع الزيارة المرتقبة لملك إسبانيا، فيليبي السادس، إلى سبتة ومليلية العلاقة بين الرباط ومدريد أمام اختبار جديد، يجمع بين حساسية الخلاف حول المدينتين وتشابك المصالح الثنائية.

في هذا الحوار مع يابلادي، يرى المحلل السياسي عبد الغني عيادي أن الزيارة تحمل رسائل سيادية وأبعادا داخلية وأوروبية، لكنها لا تعني بالضرورة بداية أزمة جديدة مع المغرب.

نشر مدة القراءة: 6'
هل تختبر زيارة فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية الشراكة بين المغرب وإسبانيا؟
DR

كيف تقرؤون الزيارة المرتقبة لملك إسبانيا إلى سبتة ومليلية، وما أبرز دلالاتها السياسية؟

علينا ألا نقرأ زيارة الملك فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية باعتبارها مجرد زيارة بروتوكولية، كما لا ينبغي أن نسارع إلى قراءتها كإعلان عن أزمة جديدة مع المغرب.

للزيارة أولا دلالة سيادية بالنسبة إلى إسبانيا، فحضور رأس الدولة في المدينتين تثبيت للحضور المؤسساتي الإسباني فيهما، خصوصا بعد أزمة الهجرة التي عرفتها سبتة أواخر يوليوز. وفيها ثانيا رسالة إلى الداخل الإسباني مفادها أن الدولة لا تترك سكان المدينتين وحدهم في مواجهة أزمات الحدود.

لكن الدلالة الأعمق في تقديري أوروبية. فالملك نفسه، في خطابه أمام الرئيس الفرنسي ماكرون، وصف ما حدث في سبتة بأنه "غير مقبول"، وربطه بأمن الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي. معنى ذلك أن مدريد لم تعد تتحدث بصفتها الوطنية وحدها، بل تعبر بقدر ما عن موقف أوروبي. وهنا بالضبط يكمن مفتاح الفهم: إذا كانت أوروبا طرفا في المعادلة، فإن الحل لا يمكن أن يكون إلا أوروبيا متوسطيا، والمغرب في قلبه.

ما الذي يفسر اختيار هذا التوقيت للزيارة، في ظل تداعيات أزمة الهجرة في سبتة؟

التوقيت حساس، لكنه يحتاج إلى بعض الدقة. القصر الإسباني يؤكد أن الزيارة كانت قيد التحضير قبل أزمة الهجرة. وبالتالي لا يمكن القول إن الأزمة هي التي صنعت الزيارة، لكنها بالتأكيد عجلت بها ومنحتها وزنا سياسيا أكبر بكثير. فرئيس الحكومة بيدرو سانشيز نفسه كان يقول في غشت إن الزيارة ستتم "عندما تتوفر الشروط"، دون تحديد موعد.

ثم إن اختيار 13 و14 أكتوبر، أي مباشرة بعد العيد الوطني الإسباني في 12 أكتوبر، يضفي عليها بعدا وطنيا ورمزيا.

غير أن ما يهمنا أكثر من التوقيت هو ما بعده. فالزيارة ستمر في يومين، أما المصالح المشتركة بين الضفتين فباقية، ولا بد من حمايتها من منطق اللحظة.

بحسبكم ما الرسائل التي تسعى مدريد إلى توجيهها للمغرب من خلال هذه الزيارة؟

الرسالة الأساسية أن التعاون الإسباني المغربي لا يعني بالنسبة إلى مدريد فتح نقاش حول السيادة على المدينتين. لكن الرسالة الموازية، وهي الأهم، أن إسبانيا تريد الفصل بين الخلاف السيادي والتعاون العملي.

وهناك مؤشر دال على ذلك: رئيس الحكومة لن يرافق الملكين، رغم أن الزيارة متفق عليها مع الحكومة. وكأن مدريد تقول إن الحضور السيادي شيء، وإدارة العلاقة اليومية مع الرباط شيء آخر.

إسبانيا تعرف جيدا أنها تحتاج المغرب، وأوروبا تعرف ذلك أيضا. في الهجرة والأمن ومكافحة الإرهاب، وفي الطاقة والربط الكهربائي، وفي التجارة والاستثمار، وفي البوابة الإفريقية كلها، المغرب شريك لا يمكن تعويضه. والملك فيليبي السادس نفسه سبق أن قال إن الجوار الجنوبي يشكل أساس أمن إسبانيا وازدهارها.

إلى أي مدى ترتبط الزيارة باعتبارات داخلية، خصوصا ضغوط اليمين واليمين المتطرف على الحكومة الإسبانية؟

الاعتبار الداخلي حاضر بقوة، لكنه لا يفسر الزيارة وحده. أزمة سبتة تحولت إلى قضية سياسية داخل إسبانيا، وحاول اليمين ربطها بسياسة الحكومة تجاه الرباط. لكن القول إن الملك يزور المدينتين لإرضاء اليمين تبسيط للمشهد، فالزيارة متفق عليها بين القصر والحكومة، كما أشرت.

وما ينبغي الانتباه إليه هو أن خطاب التوتر، في الضفتين معا، يخدم دائما التيارات الشعبوية والمتطرفة، ولا يخدم الشعوب. اليمين المتطرف في أوروبا يتغذى على صورة الآخر الجنوبي كتهديد، والانغلاق في الجنوب يتغذى على صورة الشمال كخصم. والعقلاء في الضفتين مطالبون بقطع الطريق على هذا المنطق.

كيف يمكن أن تفهم الزيارة في سياق الخلاف بين المغرب وإسبانيا بشأن وضع المدينتين؟

هنا تكمن الحساسية الحقيقية. المغرب لم يتخل عن موقفه من سبتة ومليلية، وإسبانيا لم تتخل عن اعتبارهما جزءا من أراضيها. وفي الوقت نفسه، بنى البلدان خلال السنوات الأخيرة مستوى غير مسبوق من التعاون الاستراتيجي.

وهنا أستحضر ما قاله جلالة الملك محمد السادس في خطاب 20 غشت 2021، عندما أكد أن المغرب لا يقبل المس بمصالحه العليا، لكنه يحرص على إقامة علاقات فعالة ومتوازنة مع دول الجوار، وأعلن الرغبة في تدشين "مرحلة جديدة وغير مسبوقة" مع إسبانيا، على أساس الثقة والشفافية والاحترام المتبادل والوفاء بالالتزامات.

هذه هي المعادلة المغربية بوضوح: ثبات في المبدأ، وانفتاح في الشراكة. وهي معادلة ناضجة، تجعل من الخلاف ملفا مفتوحا يدار بالحكمة، لا عائقا أمام المستقبل.

كيف تتوقعون أن تتفاعل الرباط مع الزيارة، وما الخيارات الدبلوماسية المتاحة أمامها؟

المصلحة المغربية تقتضي التمييز بين الموقف المبدئي والرد التكتيكي. هناك سابقة لا بد من استحضارها: زيارة الملك خوان كارلوس إلى المدينتين سنة 2007 أثارت رد فعل دبلوماسيا مغربيا قويا. لكن السياق اليوم مختلف جذريا، فالعلاقة أصبحت أعمق وأكثر تشابكا مما كانت عليه آنذاك.

حتى الآن، لا يوجد موقف رسمي مغربي معلن، وما نراه هو تفاعل إعلامي وسياسي غير رسمي. ومن الأفضل عدم استباق الموقف الرسمي.

أمام الرباط ثلاثة خيارات: الاحتجاج الدبلوماسي، أو الاكتفاء بتسجيل الموقف السياسي، أو التعامل مع الزيارة كحدث إسباني داخلي مع حماية الملفات الثنائية من التصعيد. والدبلوماسية المغربية أثبتت في السنوات الأخيرة أنها تشتغل، كما قال جلالة الملك، "بكامل الهدوء والوضوح". وقد ذكّر خطاب العرش الأخير بأن الاستقرار هو "الرأسمال الاستراتيجي" للمغرب، وهذا الاستقرار يشمل أيضا استقرار العلاقات مع الجوار.

هل يمكن أن تؤثر الزيارة في التعاون بين البلدين؟

يمكن أن تؤثر، لكن لا ينبغي أن تؤدي إلى تراجع التعاون. نحن نعيش لحظة إعادة تشكل النظام العالمي: تنافس بين الأقطاب، وعودة الحمائية، واضطراب سلاسل الإمداد، وحروب على تخوم أوروبا. في هذا العالم، لم يعد التعاون بين ضفتي المتوسط خياراً بين خيارات، بل أصبح قدرا جغرافيا واستراتيجيا لا مفر منه.

أوروبا تحتاج شمال إفريقيا، وتحتاج المغرب تحديدا، شريكا مستقرا وموثوقا وبوابة نحو إفريقيا الأطلسية. والمغرب يحتاج أوروبا شريكا اقتصاديا وتكنولوجيا وماليا. والتوتر لا يخدم مصالح أي من الضفتين، بل يخدم فقط من يراهن على تحويل المتوسط من جسر إلى جدار.

في النهاية، الخلاف حول سبتة ومليلية قائم، لكنه ليس أقوى من المصالح التي تجمع المغرب وإسبانيا، ولا من المصير المشترك الذي يجمع المغرب وأوروبا.

المطلوب ألا يتحول الخلاف إلى قطيعة، وألا تتحول الشراكة إلى تجاهل للخلاف.

كن أول من يضيف تعليق على هذا المقال