القائمة

مقالة

دياسبو # 99: من فرنسا إلى لكسمبورغ.. عبير غردان شابة مغربية تجاوزت المحن وفرضت ذاتها في بلاد المهجر

بعد نيلها شهادة الباكالوريا في مراكش، قررت عبير غردان التوجه إلى فرنسا من أجل إتمام دراستها، ورغم الصعاب التي واجهتها، تمكنت من شق طريق النجاح في دولة لكسمبورغ، وبدأت مشوارها المهني في إحدى أعرق المؤسسات البنكية في العالم، وموازاة مع  ذلك تحرص على القيام بالعديد من الأعمال الاجتماعية في مجال رعاية الأطفال في وضعية صعبة.

نشر
عبير غردان
مدة القراءة: 5'

في قلب الصعاب تكمن الفرص، وتظهر معالم الطريق نحو صناعة مستقبل واعد. كلمات تلخص مسار المهاجرة المغربية عبير غردان، المقيمة في دولة الليكسمبورغ.

ولدت عبير التي تحمل الجنسية البلجيكية إلى جانب جنسيتها الأصلية، في مدينة أسفي في 25 ماي من سنة 1991، وسط عائلة كانت تشجعها على سلك دروب العلم والمعرفة. والدها كان مسؤولا عن الصحة المدرسية في جهة دكالة عبدة آنذاك، كما كان شاعرا وفنانا تشكيليا، في حين كانت أمها تعمل كمساعدة له.

تلقت تعليمها الابتدائي والإعدادي في مدينة آسفي، ثم انتقلت رفقة أسرتها إلى مدينة مراكش، التي أنهت بها دراستها الثانوية، بحصولها على شهادة الباكالوريا في التقنية الثانوية محمد السادس، وسنها آنذاك لم يتجاوز 18 سنة.

بعد ذلك فكرت في إتمام دراستها خارج أرض الوطن، وتوجهت سنة 2009 إلى مدينة ستراسبورغ الفرنسية، والتحقت بالأقسام التحضيرية ودرست هناك لمدة سنتين (2013- 2014) تخصص اقتصاد وسياسة، بعدها انتقلت إلى مدرسة في بلجيكا، لدراسة التدبير واللغات، وبالموازاة مع ذلك كانت تقوم بإعداد شهادة في الميدان المالي داخل بنك "بي إن بي باريبا".

وبعدما أثبت تفوقها داخل هذه المؤسسة البنكية العالمية، وحصلت على النقطة الأولى، اقترحت عليها إدارة البنك توقيع عقد عمل معها سنة 2014، واشتغلت بعدها في قطاع محاربة غسل الأموال  والجريمة المالية. وتزامن ذلك مع تغريم الحكومة الأمريكية البنك تسعة مليارات دولار، لمخالفته الحظر المفروض على كوبا وايران والسودان.

وتؤكد عبير التي تتحدث الفرنسية والإنجليزية والعربية بطلاقة، وتجيد أيضا اللغة البولونية والاسبانية والألمانية، لموقع يابلاي أنه تم اختيارها "حينها ضمن لجنة قام البنك بتشكيلها من أجل مقابلة المدعي العام الأمريكي، وكذلك متابعة التحقيقات في القضية لمدة سنتين". 

"كلفت بعدة مهام ذات مسؤولية وأنا في سن الثالثة والعشرين، حيث كنت أمثل المدير في مجلس الإدارة، كما كنت الفتاة الوحيدة التي تشتغل داخل اللجنة إلى جانب رجال في الخمسينيات من عمرهم يتوفرون على خبرة كبيرة، وهو ما ساعدني على تطوير مهاراتي المهنية". 

وفي سنة 2015 حصلت عبير التي تهوى العزف على البيانو، على جائزة في مسابقة للابتكار، نظمها البنك، لكن ورغم إثبات جدارتها وحنكتها، إلا أنها اصدمت بعدة عراقيل، وتؤكد أنها تعرضت "لضغوطات من طرف بعض المسؤولين في البنك، بفرضهم شروطا لا تتماشى مع قناعاتي، ورفضت، وقاموا بعدها بتحويلي إلى منصب آخر أقل أهمية".

وأمام هذا الوضع وجدت نفسها مضطرة لتقديم استقالتها والانتقال للعمل في بنك "ستايت ستريت" الأمريكي، في لوكسومبرغ.

وأكدت عبير التي تزوجت سنة 2011 من رجل ذو أصول بولندية، أن الصعوبات التي واجهتها في بداية مشوارها المهني، شكلت حافزا لها، وقررت تكريس وقتها "لفهم القيادة وتطوير العمل البحثي في هذا المجال، حيث قامت بتأسيس "أكاديمية القيادة" في فبراير 2018 بلوكسومبورغ"، بهدف "تقديم مبادئ وسلوكيات القيادة الحقيقية للمهنيين الشباب ومساعدتهم على تطوير مهارات القيادة، من أجل جعل مكان العمل مكانًا يشعر فيه المهنيون الموهوبون والمتحمسون بالدعم والوفاء بشكل طبيعي ومنهجي".

وتقوم هذه المؤسسة بإعطاء محاضرات، والإشراف على أوراش بالمجان، بالإضافة إلى إعداد ندوات ومؤتمرات من خلال استقبال أشخاص قياديين، وتغتنم عبير لقاءها بالعديد من لأشخاص من ذوي الخبرة لكتابة بحوث أكاديمية، تضعها في متناول الجميع.

كما أنها تقوم بإلقاء محاضرات، في مواضيع تتعلق بالتسيير والتدبير لصالح جامعات أو مؤسسات، وتواصل عبير سرد قصة مسارها المهني قائلة:

"كنت في صدد تحضيري للدكتوراه، إلا أنني سأتوقف الآن لبعض الوقت لأنني رزقت بطفلة، وأسعى من خلال إتمام دراستي الأكاديمية، إلى خلق نموذج تدبير وقيادة جديد، لايعطي الفرصة لبعض الأشخاص لكي يصبحوا قداة سيئين يكبحون قدرات المهنيين، منطلقة في ذلك مما عايشته داخل البنك".

وبعد مغادرتها للبنك الأمريكي، تعمل عبير الآن مستشارة مالية في "أكسنتشر"، وهي شركة عالمية للاستشارات الإدارية والخدمات المهنية.

ولم يمنعها مسارها المهني من الاهتمام بالأعمال الخيرية، حيث قامت بتأسيس جمعية  "إنقاد ابتسامة" التي تعنى بالأطفال المرضى، من خلال جمع تبرعات لعائلات الأطفال التي لا تستطيع تحمل مصاريف العمليات الجراحية، في المغرب، وكذا في مجموعة من الدول في شمال إفريقيا، وأمريكا اللاتينية. 

"سأشارك قريبا في ماراتون من أجل جمع مبلغ مالي قدره 10 آلاف أورو، لدفع مصاريف علاج إحدى الفتيات التي تقوم بغسل الكلي في المغرب، وأيضا لدفع مصاريف العملية الجراحية لأحد الأطفال المصابين بالسرطان. هدفي من الجمعية ليس فقط جمع التبرعات، بل إننا في صدد كتابة مشروع قانون ينص على العلاج المجاني لأطفال العائلات في وضعية صعبة"

وإلى جانب ذلك، عبير هي إحدى مؤسسات ومسؤولة في علامة "زينب" التي تعمل على إنتاج مستحضرات التجميل الطبيعية والعضوية.

وحول ما إذا كانت تفكر في العودة إلى بلدها، قالت "بصراحة لا أفكر في العودة إلى المغرب الاستقرار به، هدفي ليس هو إنشاء مشروع في بلدي كما يفعل ذلك العديدون، لكن طموحي في المستقبل يتمثل في الغوص في عالم السياسة في وطني".

كن أول من يضيف تعليق على هذا المقال