القائمة

أخبار

السلفية تضع الرجل الأولى في السياسة

 اختار عدد من رموز التيار السلفي يتقدمهم الشيخ أبو حفص، الانضمام إلى حزب النهضة والفضيلة لصاحبه محمد الخالدي. ولا أتصور أن رفيق عبد الكريم الخطيب، سيقدم على قبول فتح باب حزبه الصغير إلى رموز السلفية الذين غادروا السجن قبل مدة ليست طويلة دون تشاور مع السلطة التي كانت لها إلى وقت قريب، حساسية مفرطة من دخول هذا التيار إلى ساحة الفعل العمومي. 

نشر
DR
مدة القراءة: 4'

 هذا مؤشر إيجابي على نهج سياسة الترويض اللين للتيار السلفي من قبل السلطة عوض المقاربة الأمنية، واستدراج السلفيين للاحتكاك بالواقع المغربي المعقد، من أجل التخلي عن مثاليته الطوباوية في التفكير ورادكاليته في السياسية ونهج التشدد والتعصب في الفقه وتنزيله.
 
السلفي الجهادي أو غير الجهادي هو آخر طبعة من كتاب الإسلام السياسي الذي صدر منذ بداية القرن الماضي على يد  الإمام حسن البنا، الذي نقل الإصلاحية الدينية من الفكر (عبده والأفغاني ورشيد رضى وكل رموز الإصلاحية الاسلامية) إلى التنظيم، ومن الدعوة إلى السياسة، ومن الوعظ والإرشاد إلى الصراع مع باقي التيارات السياسية والإيديولوجية. وهذا السلفي قادم من منابع عدة. منها المنبع الوهابي السعودي الذي وجد في إحياء المدرسة المتشددة (الأرثودكسية) في الإسلام، طريقا لإثبات ذاته وأصالته أمام الإسلام الحركي، الذي انتشر مع الإخوان المسلمين ومن يدور في فلكهم، خاصة وأن الوهابي رضي بالتخلي عن السلطة المادية لأسرة آل سعود، مقابل أن تكون له اليد الطولى على السلطة الروحية لخلق الله ممن اختاروا الإسلام دينا، وبعض الفكر السلفي قادم من بيئة البداوة والتهميش والحرمان الذي يعشعش في أحزمة الفقر المحيطة بالمدن الكبرى والعواصم العربية. وبعض هذا الفكر قادم من مشروع الجهاد العالمي الذي وضع حجره الأساس أسامة بن لادن وشريكه الطبيب أيمن  الظواهري، هذا المشروع الذي يرى أن أمريكا هي الشيطان الأكبر حول العالم، وهي أساس محن المسلمين كلها  وهي أكبر راعي للأنظمة المستبدة في العالم العربي، لهذا، فإن ضرب رأس الثعبان أفضل طريقة للقضاء عليه.
 
كل هذه المنابع وجدت أمامها تراثا دينيا إسلاميا غنيا ومتعددا ومفتوحا على كل القراءات والتأويلات. وحده الواقع العربي والإسلامي والمغربي يغيب عن عقول السلفية بكل ألوانها، ولهذا، تجد هذا الفكر تائها بين النصوص، منقسما بين الكتب والمرجعيات والمشيخات، يأخذ من هذا الإمام شيء وينكر عليه أشياء أخرى. يقرأ نصا ويغيب أسباب نزوله، يقر حكما ويغض الطرف عن أحكام أخرى تناقضه، وهكذا يسعى السلفي إلى العيش في القرن الأول للإسلام، فيما رجليه فوق أرض القرن الواحد والعشرين. وعندما تتسع رقعة المفارقة والتناقض بين الفكر والواقع، يولد العنف رمزيا كان أو ماديا ليكون هو الحل. وأي حل؟ حل يكلف المجتمع وصاحبه غاليا، دماء ودموعا وألما وآهات وسجونا ومنافي. ثم إذا أراد الله خيرا بصاحب هذا الفكر، فإنه يهديه إلى المراجعة والنقد الذاتي والرجوع عن التنطع في الدين والدنيا.
 
ماذا يحمل السلفي من أجوبة عن مشاكل العصر الحديث؟ دعونا من مشاكل العصر، ماذا يحمل من اجتهاد  للفكر الإسلامي، ومن قيمة مضافة إلى عمل الرواد الكبار الذين عاشوا بالدين وللدين. بضاعة السلفي من الأصالة قليلة جداً لأن هواجسه سياسية حتى وإن ادعى عكس ذلك، دعك من بضاعته في المعاصرة، انظروا حال السلفية اليوم في مصر، كانت ترى أن الأحزاب رجس من عمل الشيطان، فأصبحت  أكبر جماعة تتوفر على أحزاب كثيرة، كانت ترى في الانتخابات تحكيما للبشر في دين الله وأحكامه، ولهذا فهي حرام، وربما أم الخبائث¡ فصارت تلهت وراء صناديق الاقتراع وأصوات الفقراء والمهمشين. كانت تدعي حمل لواء الدين ونصرة إخوان العقيدة، فصارت تعارض الإخوان المسلمين، وتناصر خصومهم الليبراليين. إنها متاهة فكر وتنظيم وشباب وشيوخ يعرفون ما لا يريدون، لكنهم لا يعرفون ما يريدون ولا السبيل إلى إيجاد ما يريدون، إنهم ضحايا الاستبداد والجمود والفساد  في مجتمعاتهم، كانوا ضحايا، فصاروا جزءا من المشكلة التي تضرب أوطانهم.
 
هذا الفهم للظاهرة السلفية، لا يقود إلى إقصائهم، ولا إلى الاعتداء على حقوقهم ولا إلى فتح السجون في وجههم أبدا. هذا التحليل دعوة إلى علاج الظاهرة بالتي هي أحسن لأن السلفي صناعة محلية وليس ماركة مستوردة. دخولهم إلى السياسة تمرين فكري ومنهجي وسياسي من أجل إعادة إدماجهم في مجتمعهم وفي مسار التحول الديمقراطي المتعثر أصلا حتى بدونهم، أما وإن صاروا عنصر توتر جديد، فالمشكلة ستصير أكبر. الدخول إلى الحزب ليس مجرد بطاقة وكرسي، ولافتة الدخول إلى الحزب معناها الانضباط لأصول اللعبة الديمقراطية بكل قواعدها.

كن أول من يضيف تعليق على هذا المقال