القائمة

أخبار

الطريق إلى الوطن #3: رحلة مصطفى ولد سلمى من الاختطاف إلى حرية الاختيار

من ماضي معاناة مخيمات تندوف وقيود البوليساريو، يحكي مصطفى سلمى ولد سيدي مولود رحلته المريرة من طفل مختَطف إلى رجل قائد لشرطة الجبهة الانفصالية، ثم متهم بالخيانة ومعتقل في الصحراء الشاسعة، بعد إعلان دعمه لمقترح الحكم الذاتي.

نشر مدة القراءة: 9'
الطريق إلى الوطن #3: رحلة مصطفى ولد سلمى من الاختطاف إلى حرية الاختيار
DR

في شهر أكتوبر من سنة 1979، هاجمت جبهة البوليساريو مدينة السمارة، واقتادت معها بالقوة نحو 750 من سكانها، كان من بينهم الطفل القاصر مصطفى سلمى ولد سيدي مولود، الذي لم يكن يتجاوز العاشرة من عمره. ورغم أن الجبهة الانفصالية قتلت عددا من سكان المدينة، فإنها كانت تخبر من أجبرتهم على الرحيل معها بأنها "حررتهم".

وكان مصطفى رفقة شقيقه إسماعيل ووالدته وشقيقه الأصغر، حيث جرى نقلهم إلى مخيمات تندوف، فيما بقي والده في السمارة، بينما قتلت الجبهة شقيقتاه الكبرى والصغرى خلال الهجوم. ويستحضر مصطفى تلك اللحظة قائلا إنه ترك بيتا إسمنتيا ليجد نفسه يعيش في خيمة، مضيفا "من حسن حظي أني كنت في العاشرة من عمري، وبإمكاني التأقلم مع كل بيئة أجد فيها أطفالا مثلي، فاقصى غاياتنا كانت فسحة اللعب".

غير أن معاناة الترحيل لم تتوقف عند هذا الحد، فبعد أكثر من شهرين جرى نقله مرة أخرى رفقة شقيقه إلى مدرسة داخلية تحمل اسم 9 يونيو، تبعد عن مخيمهم بحوالي 40 كيلومترا. ويؤكد مصطفى أن أكثر ما آلمه في تلك المرحلة هو انفصاله عن والدته وإخوته الصغار، قائلا "فصلت عن والدتي وإخوتي الصغار، كما فصلت من قبل عن والدي وشقيقتي الشهيدتين في هجوم السمارة".

ويصف مصطفى ظروف العيش داخل المدرسة الداخلية بأنها كانت قاسية، حيث كان جميع التلاميذ يرتدون زيا رماديا موحدا بشكل إجباري خلال أوقات الدراسة والراحة، مضيفا أنه كان من المستحيل تمييز صديقك وسط أعداد كبيرة من الأطفال المتشابهين وهم يتحركون في كل الاتجاهات. وبعد ذلك، جرى نقله إلى داخلية 12 أكتوبر، التي تبعد بحوالي 80 كيلومترا عن مخيم أسرته، وكانت تتميز بطابع عسكري، إذ كان نزلاؤها يخضعون لتدريبات على استعمال السلاح والرماية.

بين ليبيا والجزائر وتشكل الوعي السياسي

يحكي ولد سلمى أن أقسى ما كان يعيشه في داخلية 12 أكتوبر هو ما يعرف بـ"الاغارة الليلية"، وهي محاكاة لهجوم عسكري تنفذ في وقت متأخر من الليل، قائلا "نستيقظ فزعين على أصوات الرصاص بين الغرف، وعلى الواحد منا أن يلتحق بساحة المدرسة بكامل هيئته العسكرية في دقائق، ومن تأخر يعاقب بقية الليل.. طبعا كنت وقتها في الحادية عشرة من عمري".

وفي سنة 1983، أرسل هو وشقيقه لمتابعة الدراسة في ليبيا، غير أن مقامه فيها لم يدم طويلا، إذ عاد في السنة الموالية إلى المخيمات بعد توقيع اتفاق الوحدة بين طرابلس والرباط، ليتم توزيع العائدين على عدة مدن جزائرية. ويقول في هذا السياق "كنت ضمن قرابة 200 تلميذ أرسلنا إلى واحة لمنيعة التابعة لولاية غرداية في الجنوب الجزائري، حيث اجتمعت بأخي مجددا، وأكملنا بثانويتها السنتين المتبقيتين من الدراسة الثانوية".

ويتابع ولد سلمى أنه في سنة 1986 نجح رفقة شقيقه في امتحانات الباكالوريا، ليتم فصلهما مرة أخرى، حيث أرسل الأخ لدراسة تخصص عسكري في يوغسلافيا، فيما ابتعث هو إلى جامعة عنابة في شرق الجزائر لدراسة العلوم الدقيقة. وهناك بدأ يختلط بالطلبة الأجانب، وتعرف على أصدقاء جزائريين وفلسطينيين، مشيرا إلى أن الجامعة كانت تعج بمختلف التيارات السياسية، و"في تلك الفترة بدأت عقيدتي السياسية تتشكل، وتصطبغ بالأحمر لدرجة التطرف أحيانا".

ويؤكد أن الجامعة شكلت بالنسبة إليه لحظة فارقة، إذ يقول "في الجامعة اكتشفت شيئا جديدا اسمه الحرية الشخصية، فلاول مرة منذ لحظة أخذي من حضن والدي قبل سبعة أعوام، صار لي بيت مستقل أشاركه مع زميل واحد، ولدي برنامجي الدراسي المستقل ومنحة". وفي سنة 1990 حصل على دبلوم الدراسات العليا في الفيزياء (DES)، غير أن الجبهة لم تكن تسمح بمتابعة الدراسة بعد ذلك، إذ كان يتعين على كل خريج أو منقطع عن الدراسة المرور إجباريا بفترة تدريب عسكري قبل إدماجه في الحياة المهنية. ويضيف في هذا السياق "تم استدعائي للتكوين في تخصص الشرطة أنا وزميل لي، وكم أثار الأمر سخريتنا، وقد كنا شبانا متشبعين بالأفكار اليسارية، ولا نرى في رجل البوليس سوى عصا غليظة في يد النظام".

واقع لا يتغير وجمود في المخيمات

يشير مصطفى ولد سلمى إلى أن فترة التكوين في سلك الشرطة كان يفترض أن تدوم سنتين، غير أن تسارع الأحداث في الجزائر ودخول البلاد في دوامة من العنف أواخر سنة 1991، دفع إلى تقليصها إلى سنة واحدة فقط، ليعود المتدربون إلى المخيمات نهاية السنة نفسها وهم يحملون صفة ضباط شرطة. وتم اختياره ليكون قائدا للشرطة "كان علي أن أبذل قصارى جهدي من أجل تحديث وإعادة هيكلة جهاز الشرطة، المؤسس قبل سنة واحدة فقط بكوادر غير متعلمة وعديمة الخبرة".

وعلى مدى عشرين سنة من الخدمة داخل الجبهة، ظل ولد سلمى منشغلا بشكل دائم رغم صغر المخيمات، مبررا ذلك "بقله الإمكانيات وضعف الكادر البشري، وغياب رؤية استراتيجية لدى القيادة، وتفننها في إدارة الواقع بدل الاشتغال على تغييره". ويضيف أن هذا الانغماس اليومي جعله محصورا داخل تخصصه، قائلا "مع مرور الأيام يألف المرء، أو يصدق، أنه يعيش فعلا في دولة ككل الدول، وينسى الهدف الذي انطلق من أجله أول مرة، أو استجلب كحالتي تحت شعار تحقيقه".

وينتقد ولد سلمى ما يعتبره جمودا زمنيا داخل المخيمات، موضحا أن "عجلة الزمن عندنا متوقفة، نعيش حاضرا لا ينتهي، وننتظر مستقبلا لا يأتي"، قبل أن يلخص الوضع بقوله "إذا تغيبت عن المخيم مئة عام ثم عدت إليه، اسأل فقط عمن مات أو من تزوج وكم أنجب من الأطفال، فلا شيء غير ذلك يتغير".

في ظل هذه القناعة، قرر في شتنبر 2010 مرافقة إخوته لزيارة والدهم بعد سنوات طويلة من الفراق، معترفا بصعوبة القرار نفسيا، إذ يقول "كل من نشأ في المخيمات يسهل عليه نفسيا زيارة إسرائيل أكثر من التفكير في زيارة المغرب". وانطلقت رحلته عبر موريتانيا، دون أن تعترضه عراقيل، مضيفا "بعد عبوري أزيد من 1000 كلم في العمق المغربي من الكركرات مرورا بالداخلة وبوجدور والعيون، وجدتني عند الكيلومتر 7 من السمارة أستعد للقاء والدي، ولم يسألني أحد من أكون".

زيارة السمارة وتغيير في المواقف

ويصف ولد سلمى صدمته عند عودته إلى السمارة، قائلا "وجدتني غريبا في مهد صباي"، قبل أن يكتشف مدينة تغيرت كليا، يسودها تعايش لافت بين مكوناتها، حيث تختلط الحسانية بالدارجة، والدراعة بالجابدور، دون أن يشعر أحد بالغربة. وقد قادته هذه الزيارة إلى مراجعة قناعاته السابقة، ليعلن دعمه لمقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب سنة 2007، خلال مؤتمر صحفي عقد يوم 10 غشت 2010.

"من داخل خيمة امام باب منزلنا بمدينة السمارة عاصمة "زمور" الذي يحتضن ثراه اضرحة اجداد الكثير من الصحراويين، و خاصة عشيرتي الاقربين، أعلنت للعالم ان الحكم الذاتي هو أفضل الحلول الممكنة لحل نزاع الصحراء، و لإنهاء معاناة اهلنا مع اللجوء و التشرد، و أني جاهز للتفاوض مع المملكة المغربية على قاعدته في إطار سلام شجعان، يعطي للدولة سيادتها على كامل اراضيها، و يعطينا نحن أبناء الصحراء سيادتنا على تدبير شؤوننا المحلية".

وأمام الجميع أكد أنه عائد لمخيمات تندوف، لعرض الأمر هناك و التداول بشأن المبادرة المغربية، وفي طريق عودته وبمجرد وصوله إلى مدينة الزويرات الموريتانية أعلنت قيادة الجبهة أنه خائن، و بدأوا حملة دعائية في الداخل و الخارج في محاولة لثنيه عن العودة، وارسلوا وفدا لملاقاته داخل الاراضي الموريتانية برسالة تخيره بين العودة إلى المغرب أو السجن و التنكيل.

"هذا كله لاني عبرت عن رأي بخصوص تقرير مصير تطلبه لنا السلطة التي تديرنا منذ تفتحت عيوننا، و يستصرخ قادتها المجتمع الدولي صباح مساء بضرورة استفتائنا على خيارات ثلاث: الاستقلال، الاندماج أو الحكم الذاتي، فهل يكذبون في ادعائهم الدفاع عن حقنا في تقرير المصير، ككذبتهم الكبرى بان لنا "دولة" تختفي من الوجود بمجرد اختلاف احد "مواطنيها" معها، فيجد نفسه بلا هوية".

بدأت الاتصالات تنهال على مصطفى ولد سلمى من معارفه تستجديه عدم العودة، وكان أشدها إيلاما، كما يقول، "بكاء أختي وهي تتوسلني ألا أعود لأنهم لن يرحموني، كما أخبروها". ورغم ذلك أصر على المضي في قراره، ومع اقترابه من الحدود الموريتانية لجأت الجبهة إلى الضغط على والدته، إذ "أخبروها أني سأسجن مدى الحياة، وعليها أن تقنعني بالعودة من حيث أتيت حتى لا تفتقدني إلى الأبد".

اعتقال في الصحراء

وبعد تجاوزه الحدود، يروي أنه التقى قائدين عسكريين حملا له "رسالة من الرئاسة مفادها أن أرجع أو أعتقل"، مضيفا "قلت لهم: لو كان في نيتي الرجوع لما وصلت إلى هذه النقطة، فاقضوا ما أنتم قاضين، في النهاية أعلم أنكم جند مأمورون". وواصل رحلته قبل أن تحاصره بعد وقت قصير أضواء سيارات من كل الاتجاهات، ليتم توقيفه وإنزاله من السيارة ونقله على متن سيارات القوة العسكرية التي اتجهت به شمالا.

ويحكي ولد سلمى أنه قضى ثلاثة أيام وهم يجوبون به الصحراء، يبيت في أماكن خالية، مؤكدا "بت واثقا أن البوليساريو تعيش أزمة، ولم تكن لها مخططات مسبقة للتعامل معي، رغم حملة التهديد والوعيد التي سبقت لحظة اختطافي، لكني ما زلت أنتظر خطوتهم التالية لكي تتكشف الصورة كاملة". وفي اليوم الموالي حضر شخصان يعرفهما جيدا لاستجوابه واتهماه بدعم الحكم الذاتي، قائلا "قالوا لي: الصحراويون لا يريدون الحكم الذاتي. قلت: تعلمون أن لا سلطة لي عليهم، ولا أملك خاتم سليمان، ورأيي لا يلزم أحدا".

ومع استمرار احتجازه والتنقل به في الصحراء، يقول إنه مع مغرب اليوم السابع "كانت المرة الأولى التي أرى فيها حائطا منذ لحظة اختطافي"، ليدرك أنه يوجد بمقر قيادة الناحية العسكرية الرابعة للجبهة في امهيريز. وبمجرد إدخاله، وجد أمامه "الوكيل العسكري للجبهة"، الذي تلا عليه لائحة اتهامات تضمنت "الفرار إلى العدو، التخابر مع العدو، تسريب معلومات تمس بأمن الدولة، المساس بالوحدة الوطنية، المساس بمعنويات الجيش، والتجند لخدمة العدو".

ويرد ولد سلمى على ذلك بسخرية حيث خاطب "الوكيل" قائلا "هذا فصل كامل من القانون الجنائي، تكفي تهمة واحدة منه لجرّي إلى حبل المشنقة، فلماذا نتعب أنفسنا في نقاش كتاب ما دام لا فرق بين إعدام واحد وست إعدامات". وبعد انتهاء الاستجواب، نقل مباشرة إلى غرفة مجاورة حيث كان "قاضي التحقيق العسكري" في انتظاره، فسأله "في أي مؤسسة حبسية ستودعني سيدي القاضي"، ليأتيه الجواب "في المناطق المحررة". ويضيف "قلت: لا علم لي بمؤسسة حبسية بهذا الاسم، فرد: سنشرع قريبا في بناء سجن لإيداعك فيه، ومحكمة لمحاكمتك".

"لم استطع حبس الضحك، و قلت للقاضي: يالها من صورة كاريكاتورية، سجين تحت ظل شجرة ينتظر بناء سجنه و محكمته حجرة حجرة!، حقيقة اعتذر منك، فلا احسدك على المازق الذي وضعوك فيه"

يقول ولد سلمى "لقد بت متيقن من انهم لن ياخذوني إلى المخيمات، ربما بسبب فيتو جزائري، و لا يستطيعون اخذي إلى أي من مقراتهم العسكرية في المنطقة العازلة خشية ان يكتشف مكان احتجازي فيتجمع عليهم الاهالي، و يفتضح أمر اعتقالي في ثكنة عسكرية، فتعظم مشكلتهم".

وبعد 71 يوما من التعذيب النفسي والجسدي وتحت الضغط الدولي الكبير، تم إبعاد ولد سلمى يوم 30 نونبر 2010، إلى الحدود الموريتانية، وفي يوليوز 2022 وصل آخر أبنائه الخمسة إلى مدينة العيون التي اكتشفوا أنها "مدينة كبيرة راقية تتوفر على كل مرافق الحياة المدنية، وليست ذلك المخيم الذي ولدوا وترعرعوا فيه".

كن أول من يضيف تعليق على هذا المقال