في أعلى بيت العائلة بحي "كيش الوداية" بمدينة تمارة، خصصت مريم الحجاري جزءا من المنزل ليصبح مأوى للقطط المشردة والمريضة. المكان بسيط، لكنه يحتضن اليوم عشرات القطط التي وجدت فيه رعاية لم تكن لتجدها في الشارع. مريم، البالغة من العمر 41 سنة، لم تخطط يوما لأن تصبح مسؤولة عن هذا العدد الكبير من القطط، غير أن تجربة واحدة تلتها أخرى دفعتها تدريجيا إلى هذا المسار، لدرجة أنها تركت عملها كممرضة ووهبت وقتها الكامل لرعايتهم.
قرار لم يكن مخططا له
في البداية، كانت مريم تربي قطا واحدا فقط في البيت. ثم قبل 6 سنوات، صادفت قطة مصابة في الشارع، كانت تعاني من كسر في يدها، "قام أحد وقد بوضع دعائم لها لمحاولة جبرها" تحكي مريم خلال حديثها مع يابلاي. أخذتها إلى الطبيب البيطري على أساس علاجها ثم إعادتها إلى مكانها، غير أن الفحص كشف أن القطة فقدت العصب، وأن الحل الوحيد هو بتر اليد. في تلك اللحظة، أدركت مريم أنه من المستحيل إعادتها إلى الشارع، فقررت الاحتفاظ بها في بيت والديها حيث تقيم.

لاحقا، وأثناء زيارة لها إلى مدينة الدار البيضاء، وجدت في طريقها قطة مشلولة تجر جسدها على الأرض. وتتذكر تلك اللحظة قائلة "المشهد كان مؤلما جدا، ولم أفكر مرتين لإنقاذها، إذ أحضرتها معي إلى تمارة، حيث خضعت لعلاج طويل وجلسات ترويض عند الطبيب البيطري"، إلى أن تمكنت في النهاية من الوقوف، ولو على رجل واحدة. تلك التجربة منحت مريم إحساسا قويا بضرورة التدخل لإنقاذ القطط التي لا يمكنها البقاء في الشارع.
من هنا، بدأت قصتها مع رعاية القطط المشردة والمصابة بأمراض خطيرة أو التي تعاني من إعاقات. وقالت هناك قطط تعاني من أمراض بسيطة وتحتاج فقط إلى دواء أو رعاية مؤقتة، أقوم بتمريضها ثم إعادتها إلى الشارع لأنها قادرة على العيش هناك" بينما تحتفظ بالقطط التي تعاني من إعاقات أو أمراض مزمنة، لأن الشارع لا يشكل خيارا لها.
في بداياتها، كانت تصطحب جميع القطط إلى الطبيب البيطري، لعدم توفرها على خبرة كافية في التعامل مع الحيوانات. ومع مرور السنوات، واكتساب التجربة، أصبحت تكتفي بعرض الحالات المعقدة أو التي تحتاج إلى عمليات جراحية، بينما تتكفل بنفسها بعلاج الحالات العادية. وبحكم عملها السابق كممرضة، أصبحت قادرة على إعطاء الأدوية، بل وحتى تلقيح القطط بنفسها.
اليوم، يضم بيت العائلة حوالي 70 قطا. في البداية، لم يتقبل والداها هذا الوضع، لكن مع مرور الوقت، وتوالي الحالات الصعبة، تفهما الأمر، خاصة أن "أغلب القطط تصل في وضع صحي يحز في النفس. لذا فإنسانية والداي دائما ما تغلب، وبالتالي يستقبلان القطط، بل ويساعدانني في العناية بها".
ورغم حجم المسؤولية، تؤكد مريم أنها لا تتلقى أي دعم من أي جهة رسمية أو جمعية، باستثناء بعض المحسنين الذين يساعدونها من حين لآخر. فإلى جانب القطط التي ترعاها داخل المنزل، تقوم أيضا بإطعام مجموعات من القطط في الشارع.
"كيس كروكيت يزن 15 كيلوغراما لا يدوم سوى ثلاثة أيام، ويبلغ ثمنه حوالي 500 درهم، كما أشتري الرمل بشكل يومي تقريبا، بمعدل كيسين في اليوم، أي ما يعادل نحو 3000 درهم شهريا، دون احتساب باقي مصاريف التغذية والعلاج، خاصة أن القطط لا يمكنها الاعتماد على الكروكيت فقط لأنه يضر بالكلى".
التضحية بالوظيفة من أجل الأرواح
وتحكي مريم أن مع مرور الوقت وتكاثر عدد القطط التي تحتاج إلى رعاية مستمرة، اضطرت إلى ترك عملها. وأوضحت قائلة "بعض القطط، خاصة المشلولة منها، تحتاج إلى متابعة يومية دقيقة، وهو ما جعل الجمع بين العمل والعناية بها أمرا صعبا. "لم أستطع يوما إعادة هذه القطط إلى الشارع، وفضلت التفرغ لها رغم كل التضحيات."

ورغم هذا القناعة، لا تخفي أن الجانب النفسي يبقى الأصعب. تتذكر مريم بحسرة حالة قط كان مصابا بسرطان في الأذن، وجدته في مرحلة متقدمة. اصطحبته إلى عدة أطباء، وجربت كل العلاجات الممكنة، بما فيها الطب التقليدي، في محاولة لإنقاذه. عاش معها سنة واحدة قبل أن تتدهور حالته ويفارق الحياة.
عندما تفقد قطا، تمر بفترة اكتئاب حاد، وهو ما أصبح يسبب لها توترا مع والدها، الذي يخشى عليها من الانهيار النفسي المتكرر. لكنها تؤكد أن تعلقها بالقطط يجعل الفقدان أمرا قاسيا، فهي تعتبرهم بمثابة أبنائها، وفقدان أي واحد منهم يعني فقدان جزء منها، وختمت حدثها قائلة "وجود هذه القطط في حياتي لم يكن صدفة. وضعها الله في طريقي لسبب ما. صحيح أنني أنقذها، لكن في الوقت نفسه هي أيضا تنقذني".


chargement...




