شهدت فترة التسعينيات وبداية الألفية الثانية عصرًا ذهبيًا للدراما والكوميديا التلفزيونية خلال شهر رمضان، حيث كانت هذه المسلسلات تعكس القيم والعادات والموضة والصراعات اليومية لجيل مختلف. ومع اقتراب شهر رمضان مجددًا، نعود لنستذكر بعض البرامج التلفزيونية الأكثر شهرة التي أضاءت الشاشات المغربية في العديد من رمضانات مضت.
ذئاب في دائرة
برز مسلسل «ذئاب في دائرة» في رمضان 1997، حيث تناول قضايا الفساد والبطالة وصراعات السلطة العائلية. وضمّ العمل طاقمًا متميزًا من الممثلين، من بينهم حسن سكال الذي جسد دور رجل أعمال ناجح، ومحمد عطير في دور موظف فاسد، ومحمد تسولي كمدير نزيه ومجتهد في الشركة، إلى جانب سعاد صابر وابنهما العاطل عن العمل سعد تسولي.
أخرج المسلسل شكيب بنعمر، أحد رواد التلفزيون المغربي، حيث تتبعت القصة محمد تسولي وهو يكتشف عملية احتيال في الفواتير داخل شركة خاصة، وهو اكتشاف يغير مجرى حياته.
حقق المسلسل نجاحًا كبيرًا، حيث فاز بنعمر بجائزة أفضل مخرج في مهرجان القاهرة للتلفزيون عام 1998، ليكون أول مغربي ينال هذا الشرف.
أضفى التمثيل الواقعي للسلسلة عمقًا خاصًا، حيث لعب محمد تسولي وسعد تسولي دور الأب والابن على الشاشة، كما هما في الحياة الواقعية.
سرب الحمام: «راك غادي فالخسران أحمادي!»
في رمضان 1998، كان المغاربة ينتظرون بشغف موسيقى البداية الأيقونية لمسلسل «سرب الحمام» لتبدأ طقوسهم التلفزيونية بعد الإفطار. بمجرد أن تُعزف هذه الموسيقى، يعم الصمت في غرف المعيشة.
تتبع السلسلة قصة حمادي ورفيقه ذو اللسان الحاد وهما يتنقلان في الحياة المدنية بعد مغادرة قريتهما، بحثًا عن الرخاء والكرامة، وفي حالة حمادي، هروبًا من التوتر العائلي المستمر، خصوصًا مع والده.
أخرج المسلسل الممثل والمخرج محمد عاطفي، حيث تناول قضايا اجتماعية ثقيلة بأسلوب كوميدي خفيف، معتمدًا بشكل كبير على الأداء الذي لا يُنسى لنور الدين بكر. جملته الشهيرة، التي قيلت كنصيحة لصديقه (الذي لعب دوره رشيد الوالي): «ستذهب إلى هلاكك، يا حمادي!» أصبحت منذ ذلك الحين ميمًا مفضلاً واستعارة سياسية خالدة.
وراء الضحكات، كان «سرب الحمام» مرآة لزمانه: اللغة، الأزياء، الإيماءات، الصراعات اليومية، والهموم الكبرى للمجتمع المغربي، مثل الهجرة القروية، البطالة، الفجوة بين القرية والمدينة، الأرض، والضغط العائلي.
عند النظر إلى الوراء، قال رشيد الوالي في مقابلة عام 2024 إنه لا يزال «فخورًا وسعيدًا» بالمشاركة في مثل هذه السلسلة، التي أُنتجت بوسائل متواضعة للغاية. تم تصوير «سرب الحمام» بكاميرا واحدة، وللتحضير لدوره، اشترى الوالي ملابس حمادي من سوق الغزال، السوق الأسطوري في الرباط.
أولاد الناس: نساء، جذور ووعود محطمة
كان «أولاد الناس» من الأعمال الرمضانية الأساسية لعام 1999، وكان يحمل طابعًا نسويًا بهدوء بالنسبة لوقته، حيث أخرجته فريدة بورقية، وهي واحدة من النساء القلائل اللاتي شكلن الدراما التلفزيونية المغربية في تلك الفترة.
تتبع القصة فاطومة، شابة يائسة للهروب من سيطرة والدها الخانقة عن طريق الزواج، بأي ثمن. كان أملها معقودًا على معطي، الذي تبين أنه بعيد كل البعد عن الرجل الذي تخيلته. يأخذ مالها، ويعاملها بسوء، ويدمر توقعاتها ببطء.
افتتحت السلسلة بموسيقى ساحرة غناها البشير عبدو، والتي كانت معروفة على الفور لجيل بأكمله. كان طاقم التمثيل أيقونيًا: نعيمة المشرقي، عبد القادر مطاع، ومحمد البسطاوي، الذي سيصبح لاحقًا أسطورة رمضانية.
تناول «أولاد الناس» قضايا الإرث، الصراع الجيلي، والعودة للجذور، مركزًا حول شركة عائلية للفخار، الحرف اليدوية، الأرض، والهوية المنسوجة في الدراما.
جنان الكرمة: عندما يلتقي التاريخ بالدراما الرمضانية
لم تكن تلفزيونات رمضان تقتصر فقط على الصراعات اليومية، بل كانت تدمج أيضًا بين الخيال والتاريخ من خلال «جنان الكرمة».
أخرجت فريدة بورقية وكتبها توفيق حماني، تدور أحداث السلسلة في زمن المخزن قبل الاستعمار الفرنسي، حيث تصور القمع، ومصادرة الأراضي، والاستعباد، والمقاومة.
كان قيدًا مستبدًا، وابنًا متمردًا، ومصائر متشابكة تملأ الأمسيات المغربية بعد الفطور بالتوتر والتفكير. ضم الطاقم منى فتو، محمد خيي، محمد البسطاوي، وتورية جبران التي لا تُضاهى.
أنا وخويا ومراتو: عباس.. ارحل
لم يكن رمضان رمضانًا بدون الكوميديا، وسعيد الناصري كان ملكًا في التسعينيات. كان «أنا وخويا ومراتو» إنتاجًا لعام 1998، حيث تبع عباس، رجل عاطل عن العمل ينتقل للعيش مع أخيه وزوجته… ولا يغادر أبدًا. بغض النظر عن مدى محاولاتهم لإخراجه، يظل عباس، مسببًا مواقف عبثية، مزعجة ومضحكة بلا حدود.
كانت السلسلة خفيفة وسريعة وشديدة الشعبية، حيث بُثت حول وقت الفطور وأصبحت ناجحة لدرجة أنها استمرت لعدة مواسم. ضم الطاقم عبد الرحيم بركاش، تورية العلوي، حمادي عمور، ومجموعة من أساطير الكوميديا.
عائلة مغربية نموذجية: السي مربوح
أب مجتهد. أم محبة وصبورة. أخ وأخت مراهقان، أعداء دون تصريح علني. فوضى مضمونة.
عائلة السي مربوح، إنتاج القناة الأولى لعام 2001 أخرجه حسن أوهيدي، استكشفت الحياة المغربية اليومية بدفء وحس فكاهي. ضم الطاقم عمالقة الكوميديا مثل محمد الجم، مصطفى الداسوكين، المفضلة الرمضانية سعيدة بعدي، عبد الصمد مفتاح الخير، وحسناء حبوب.
من خلال مواقف يومية بسيطة، قدمت السلسلة ضحكات ليلة بعد ليلة، نعم، وقد شهدت أيضًا موسمين، حيث كان المغاربة يريدون المزيد بوضوح.
لم تكن التلفزيونات الرمضانية في التسعينيات وبداية الألفية الثانية مجرد ترفيه. اليوم، تبقى كذاكرة، وهوية، وحنين تعود كلما عاد رمضان. هي الأيام الخوالي.


chargement...






