القائمة

أرشيف

مدارس الرابطة الإسرائيلية العالمية ودورها في تعزيز النفوذ الاستعماري بالمغرب

لعبت مدارس الرابطة الإسرائيلية العالمية دورا رياديا في إدخال وانتشار تعليم اللغة الفرنسية بالمغرب،  وكان هدفها يرمي إلى جعل اليهود المغاربة حلقة وصل مرنة وجسرا ثابتا يمكن المستعمر من تمرير نفوذه بطريقة ذكية وتدريجية إلى العمق المغربي.

نشر
DR
مدة القراءة: 4'

حقق إندماج يهود فرنسا في المجتمع المحلي بروز الكثير منهم في مجالات عدة، سواء كانت علمية منها أو ثقافية وحتى السياسية، وأخذت تطرأ تغييرات كثيرة على حياتهم الاجتماعية بعد انتقالهم من الريف إلى المدينة، وصاحب ذلك تغيير في طبيعة أعمالهم، حيث اتجه الكثير منهم للعمل في الأنشطة التجارية، كما يذكر ذلك الباحث "حاييم الزعفراني"، في كتابه "ألف سنة من حياة اليهود"، وقد ساهم كذلك تحريم الكنيسة المسيحية التعامل بالمال والربا منذ مطلع القرن التاسع عشر في تعزيز هيمنة اليهود على أسواق المال، الأمر الذي قوى من نفوذهم في الدول الأوربية الغربية لاسيما في فرنسا، وبرزت طبقة الرأسماليين اليهود، الذين أصبحوا بمرور الوقت زعماء الطوائف اليهودية، وأخذوا يتقربون من حكام بلدانهم ومثقفيها، وعُدّوا فيما بعد قدوة لباقي أبناء جلدتهم للسير في أثرهم، والانصهار في بوتقة المجتمع وترك جانب العزلة.

ومهما اختلفت الآراء والأسباب في تحرك يهود فرنسا لإنشاء الرابطة، فان الواضح من الأمر أنهم أرادوا بخطوتهم هذه نشر التوعية الثقافية والفكرية بين يهود العالم بما يعزز من مكانتهم الاجتماعية التي تأثرت كثيرًا بسبب طموحهم اللامحدود والسلوك المادي الذي عرف عن اليهود عبر التاريخ، ولعل الأهداف التي سطرت من جانب قيادة الرابطة كفيلة  في إيضاح ذلك، وهي كالآتي: العمل في كل مكان على تحرير اليهود وتطورهم المعنوي، وتوفير المساعدة الفاعلة لأولئك الذين يعانون بسبب كونهم يهودًا، والارتقاء بمستوى اليهود الروحي والفكري، وتشجيع نشر الإصدارات التي تساهم في خدمة هذه الأهداف. 

الظروف الممهدة لتأسيس المدارس اليهودية بالمغرب

فتحت هذه المدارس بالمغرب بعد سنتين من تأسيس الرابطة الإسرائيلية العالمية بباريس في 1860م، الشيء الذي  جعل من المغرب بصورة أو بأخرى امتدادًا للخطوات الحثيثة، التي بدأت الطائفة اليهودية في أوربا تخطوها نحو التطور والرقي القائم على أساس إحداث تغيير شامل في شتى النواحي، والتي بدأت تسعى إليها كرد فعل للحقوق والامتيازات التي أفرزها تواجد القوى الأوروبية بالمغرب، وكذا سياسة الإصلاح التي كانت تنتهجها الدولة المغربية منذ أواسط القرن التاسع عشر، بالإضافة إلى الأعداد الهائلة لليهود المستوطنين بالمغرب وكذا نظرًا للحالة الاجتماعية والثقافية والدينية والسياسية والتعليمية التي يعيشونها.

وقد ساهم في هذا التطور في احتكاك المغاربة بما فيهم اليهود بما يحدث في أوروبا من رقي وتطور حضاري و زيادة إطلاعهم وتنامي الرغبة في الاستفادة من الانفتاح خلال هذه المرحلة، ونظرا لكون اليهود يشكلون قوة اقتصادية مؤثرة لاسيما في القطاع التجاري فإنهم كانوا الأكثر احتكاكًا بالتجار الأوربيين، الأمر الذي عجل في سرعة انفتاحهم واتصالهم بالعالم الخارجي، حرصا منهم في توسيع تعاملاتهم التجارية، وتحقيق الفوائد المادية من وراء ذلك.

بمرور الوقت، أخذت قنوات الاحتكاك بمظاهر التمدن والتطور تتعدد، بحيث نلاحظ اندفاع يهود المغرب في العمل مع البعثات الدبلوماسية الأوروبية والرعايا الأوربيين المقيمين في المدن المغربية الساحلية (خاصة طنجة وتطوان...)، ومن الناحية الاجتماعية نجد أن يهود المغرب كانوا أسرع من غيرهم من فئات المجتمع في ترك طريقة حياتهم القائمة وفق التقاليد (الشرقية)، التي توارثوها من قبل، وقد ساهم ذلك في اتساع نطاق معرفتهم، حيث أتقن البعض منهم اللغات الأجنبية التي مكنتهم من الإطلاع بشكل مباشر على ما يحدث في أوروبا من متغيرات عبر ما يتوفر من إصدارات متنوعة، ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، وإنما تطور بشكل قض مضجع الدولة المغربية بكثرة طلب الحمايات الأجنبية، سواء كانت الانجليزية منها أو الفرنسية...

الشيء أدى إلى تبني عادات وتقاليد أوروبية لتغدو جزءًا من مفردات حياتهم اليومية فيما بعد، ويعكس هذا السلوك من جانب يهود المغرب رغبتهم في تسلق السلم الاجتماعي وتوثيق علاقتهم مع الرأسماليين والتجار الأجانب، حيث يتطلب ذلك .اكتساب الخبرات اللغوية والحضارية، وبناء على ذلك سعى هؤلاء جاهدين في امتلاك مثل هذه الخبرات بما يمكنهم من تحقيق طموحاتهم في حياة أفضل

وكانت الغاية من هذه المدارس إدماج العنصر اليهودي في المجتمع المغربي، بل كان الهدف منها نشر الثقافة واللغة الفرنسيتيْن، تمهيداً للاستعمار حيث تحول اليهود فيها إلى جماعات وظيفية منفصلة ثقافياً ووجدانياً عن محيطها العربي، تعمل لخدمة مصالح الاستعمار الفرنسي في المنطقة، فضلاً عن رعاية الطائفة اليهودية والدفاع عن حقوقها، تمهيداً لإقامة وطن قومي لهم، زيادة على أنّها سعت إلى سيطرة اليهود على التجارة مع الأوربيين.

وبهذا فقد ساهمت مدارس الرابطة مساهمة ناجعة في نشر وتعزيز الثقافة الفرنسية المبنية على أسس استعمارية صرفة، ففي ظرف عقدين من الزمن كانت جل مدن المغرب الرئيسية متوفرة إما على مدرسة تابعة للرابطة الإسرائيلية العالمية تعمل بانتظام، وإما على مشروع بناء مدرسة لنفس الرابطة يوشك على نهاية الأشغال، وفي مطلع القرن العشرين كانت للرابطة الإسرائيلية العالمية مدارس مفتوحة في كل من تطوان وطنجة والعرائش والرباط والبيضاء والصويرة وفاس ومراكش.

كن أول من يضيف تعليق على هذا المقال