كان شهر رمضان في زمن الخلفاء الراشدين يشكل موسما للتنافس في الخير، وتكثيف العبادة، كما شكل انطلاقا للفتوحات التي غيرت وجه التاريخ.
بساطة وخشوع وزهد
تميز شهر رمضان في عهد الخلفاء الراشدين بالبساطة والخشوع، بعيدا عن مظاهر البذخ التي انتشرت في العصور اللاحقة. وكان التركيز الأكبر منصبا على جوهر العبادة وأثرها في تهذيب النفس.
ويورد كتاب "رمضان عبر التاريخ" لعبد الله حمد الحقيل، أن الخلفاء الراشدين كان لهم دور كبير خلال رمضان في حث الناس على الأعمال الصالحة، وفي عهدهم كانت "المنازل خلايا عبادة، وذكر ومذاكرة للعلم وتفكر في خلق السماوات والأرض"، وكانوا يصلون في رمضان "الرحم ويقرون الضيف ويتصدقون على قلة أموالهم في فطر وفي سحور".
وكان إفطارهم حسب المصدر ذاته "إما على تمرات أو بخبز من شعير، وما كانوا يملأون بطونهم مطلقا من الطعام حتى ولو كان عندهم منه ما يكفي لملء بطونهم منه، لأنهم كانوا يؤثرون الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في تقليل المأكول والمشروب في شهر الصيام خاصة، وكان ديدنهم الدعاء، ويدعون الله سرا، ويبتهلون إليه وحده سبحانه وتعالى لينصر الإسلام ويعز أهله".
وكان الخلفاء الراشدون يواصلون قيام رمضان في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم جماعات وفرادى، كما كانوا يفعلون في حياته، واستمر الحال على ذلك في خلافة أبي بكر الصديق وأول خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
ويضيف كتاب "رمضان عبر التاريخ" أن "ليالي الوتر من شهر رمضان كانوا أكثر إحياء لها من غيره بالعبادة والذكر والقيام والدعاء وتلاوة الذكر الحكيم في المسجد النبوي والمسجد الحرام".
ثم حدث التحول التنظيمي الكبير على يد الخليفة عمر بن الخطاب، الذي ينسب إليه الفضل كأول من جمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح بالمدينة المنورة.
حيث يشير عبد الله حمد الحقيل إلى أنه في "عهد عمر الفاروق رضي الله عنه كانت إنارة المساجد في ليالي رمضان مساعدة للمصلين والعابدين العاكفين فيها على القيام بعبادتهم وصلاتهم وأنه رضي الله عنه هو الذي جمع الناس على صلاة التراويح خلف إمام واحد، وهذا ما هو متبع في شتى أنحاء العالم الإسلامي اليوم".
رمضان.. شهر الانتصارات الكبرى
كما أن شهر رمضان يعتبر خلال عهد الخلفاء الراشدين هيرا للفتوحات الكبرى، ففيه تحققت انتصارات حاسمة غيرت مجرى التاريخ،
ففي رمضان من السنة 13 للهجرة، وقعت معركة "البويب" زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، بقيادة القائد المثنى بن حارثة، حيث ثأر المسلمون لهزيمتهم السابقة في وقعة "الجسر" وألحقوا بالفرس هزيمة نكراء .
وفي 13 رمضان سنة 15 هجرية، وصل الخليفة عمر بن الخطاب إلى الشام ليستلم مفاتيح بيت المقدس، بعد معارك ضارية ضد الرومان.
وباشر خليفة المسلمين أعمال التنظيف والبناء والتنظيم والترتيب في الصخرة، وساحة المسجد الأقصى، فبنى المصلى في المسجد الأقصى بعيدا عن موضع الصخرة التي بُنيت عليها القبة فيما بعد، وقد كان المسجد الأقصى في زمن احتلال الرومان لبلاد الشام والقدس، مكانا مهجورا، ومليئا بالأوساخ والقذارات.
وكانت أول صلاة للمسلمين في المسجد الأقصى في عهد عمر بن الخطاب، فقد صلى عمر بن الخطاب بالمسلمين ركعتين.


chargement...



