القائمة

أخبار

الطريق إلى الوطن #4: من تندوف إلى المغرب… سالم عبد الفتاح يروي رحلة الالتحاق بالبوليساريو ثم قرار العودة

من شاب تأثر بخطاب ثوري رومانسي إلى فاعل إعلامي داخل أجهزة البوليساريو، ثم إلى صوت منتقد من داخلها، يروي سالم عبد الفتاح تفاصيل مسار شخصي وسياسي معقد، يكشف من خلاله واقع المخيمات، وآليات الاشتغال الإعلامي والتنظيمي داخل الجبهة، وصولا إلى لحظة المراجعة والعودة النهائية إلى المغرب سنة 2015.

نشر مدة القراءة: 4'
محمد سالم عبد الفتاح
محمد سالم عبد الفتاح

نشأ محمد سالم عبد الفتاح في سياق إقليمي كانت فيه الدعاية الانفصالية، حاضرة داخل الأقاليم الجنوبية خلال فترة التسعينات، بالتوازي مع مرحلة الانفتاح السياسي التي عرفها المغرب آنذاك، وهو ما جعله يتأثر بها ويتبناها.

وقال في حديثه لموقع يابلادي " وبالنسبة لمراهق أو شاب، بل وحتى لطفل، كان من السهل التأثر بهذا النوع من الدعاية، لأنها كانت تخاطب العصبيات الضيقة وتروج لأطروحات ذات طابع عاطفي، وتوظف خطابا رومانسيا حالما يعتمد أساسا على استثارة المشاعر. لذلك كان من الطبيعي أن يتأثر شاب صغير السن بهذه الطروحات."

آنذاك انخرط فيما كان يعرف بـ"بوليساريو الداخل"، وهي خلايا سرية كانت تنشط داخل المؤسسات التعليمية والجامعات، وتركز أساسا على تجميع المعلومات والأخبار، تحريرها وإرسالها ضمن عمل إعلامي يخدم التوجه الانفصالي.

ويشير إلى أنه في وقت لاحق برز لدى بعض الشباب تساؤل حول إمكانية لعب دور أكبر داخل المشروع الراديكالي للبوليساريو، خاصة أن خلايا الداخل لم تكن تسمح بحمل السلاح، بينما كانت الدعاية الانفصالية تروج لفكرة الكفاح الثوري والعنف الثوري والعمل المسلح، وبذلك نشأت قناعة لدى بعض الشباب بضرورة الالتحاق بمعسكرات تندوف جنوب غرب الجزائر من أجل الانخراط في الميليشيات المسلحة".

تم الالتحاق سنة ألفين وأربعة، بعد سنوات من التأثر بدأت منذ أواخر التسعينات عبر نشاط داخل الخلايا الإعلامية. وقد جرى الانتقال عبر موريتانيا، بعدما أصبح الحصول على جواز السفر متاحا، ولم يعد الالتحاق يشكل الخطورة التي كان يتطلبها سابقا من اجتياز الجدار الدفاعي والمناطق العسكرية.

محمد سالم عبد الفتاح

بعد خضوعه لتحقيقات أمنية، تم توجيهه للعمل داخل ما يسمى وزارة إعلام البوليساريو في الرابوني، حيث اشتغل في إذاعة الجبهة محررا للأخبار ثم مذيعا، قبل أن يتولى إعداد وتقديم برامج سياسية ذات طابع دعائي، وقال "الإعلام داخل المخيمات لم يكن مجالا للتعدد، بل فضاء يحتكره خطاب واحد، هدفه الأساسي التوجيه والتعبئة السياسية."

صدمة الواقع داخل المخيمات

وأوضح عبد الفتاح أن الخطاب الرسمي للبوليساريو يحتكر الفضاء الإعلامي داخل المخيمات، حيث لم يكن مسموحا إلا بصوت واحد، سواء عبر الإذاعة أو من خلال مشروع التلفزيون الذي أطلق بالتوازي مع افتتاح قناة العيون الجهوية بالمغرب، في محاولة لمنافستها إعلاميا.

منذ اللحظة الأولى الأولى التي وصل فيها إلى المخيمات أصيب عبد الفتاح بخيبة أمل، وكانت "الصدمة الأولى نتيجة التناقض الكبير بين الخطاب الدعائي الرومانسي الذي يرفع شعارات التحرر والحداثة، وبين واقع الممارسة داخل المخيمات"، حيث كانت "الفوارق الطبقية بارزة بشكل واضح بين القيادة التي تعيش في ظروف مريحة وتتوفر على امتيازات خاصة، وبين باقي السكان الذين يعانون أوضاعا اجتماعية واقتصادية صعبة".

كما تحدث عن مظاهر أخرى اعتبرها مفصلية في مسار مراجعاته، من بينها التحكم في المساعدات الإنسانية، إضافة إلى بداية توظيف الفكر الديني المتطرف من أجل ضبط التوازنات الداخلية، إلى جانب الاستعانة بعصابات الجريمة المنظمة في التحكم الأمني داخل المخيمات.

"داخل الجهاز الإعلامي، الذي يفترض أنه مؤسسة مدنية، ظهر الطابع الأمني والاستخباراتي في التدبير، القائم على الوشاية والمراقبة والتجسس، وهو ما عمّق حالة الصدمة ودفع لاحقا إلى التعبير عن هذا الرفض من خلال مقالات رأي تدعو إلى الإصلاح والتصحيح من داخل التنظيم نفسه".

محمد سالم عبد الفتاح

غير أن هذه المحاولات قوبلت بالتخوين والتضييق والاستهداف، رغم محدودية سقف المطالب. ومع مرور الوقت بدأ عبد الفتاح يحتك بحركات معارضة داخل الجبهة، خاصة حراك شباب الخامس من مارس الذي ظهر في سياق الربيع العربي سنة 2012، والذي تعرض بدوره للشيطنة والقمع.

أمام ذلك، تبلورت لديه "قناعة باستحالة إصلاح التنظيم بسبب طابعه الاستبدادي وهيمنة الرأي الواحد. وقد بدأ التعبير العلني عن هذا الموقف منذ منتصف العقد الأول من الألفية، قبل اتخاذ قرار العودة النهائية إلى المغرب سنة 2015 ، بعد مسار طويل من المراجعة الفكرية.

وأشار إلى أنه خلال مرحلة المراجعة، انحصر النشاط في قضايا اجتماعية وسياسية ذات بعد عام دون إعلان موقف واضح، إلى أن جاء التحول النهائي بعد الاحتكاك بحراك ضحايا البوليساريو الذي برز حوالي سنة ألفين وتسعة عشر، وانتشرت شهاداته خاصة داخل مخيمات تندوف وفي أوساط الجاليات بالخارج.

وقال "الاستماع إلى شهادات الضحايا، وما كشفته من انتهاكات واختطافات وتعذيب، إضافة إلى معطيات شخصية مرتبطة بأحد أفراد العائلة الذي كان من ضحايا سجون الجبهة، شكل نقطة تحول حاسمة أدت إلى القطيعة النهائية مع البوليساريو، ثم الانخراط لاحقا في تأسيس إطار سياسي منشق يضم عددا من الأطر السابقة داخل الجبهة الانفصالية".

كن أول من يضيف تعليق على هذا المقال