القائمة

أخبار

دياسبو #427: وديع غوندالي.. طبيب نفسي يرى الإنسان قبل المرض

حين أصيبت والدته بالسرطان، لم يكن وديع غوندالي قد حسم بعد مساره المهني. كان آنذاك في فترة تدريب في الطب النفسي بفرنسا، يعيش المرض يوميا داخل المستشفى وخارجه. بين التجربتين، اكتشف فجوة مؤلمة في مرافقة مرضى السرطان، حيث يظل الألم النفسي بلا مكان واضح داخل البروتوكولات العلاجية. تلك اللحظة شكلت نقطة تحول، وأعادت توجيه اختياراته نحو طب يرى الإنسان قبل المرض.

نشر مدة القراءة: 6'
دياسبو #427: وديع غوندالي.. طبيب نفسي يرى الإنسان قبل المرض
DR

لم يختر وديع غوندالي التخصص في مرافقة مرضى السرطان صدفة، بل قادته إليه تجربة شخصية قاسية شكلت منعطفا حاسما في مساره. فخلال فترة تدريبه في الطب النفسي بفرنسا حيث ولد وترعرع، أصيبت والدته بالسرطان، وهناك، وهو يعيش المرض من الداخل كابن قبل أن يكون طبيبا، اصطدم بفراغ مؤلم في مرافقة مرضى السرطان، ليس فقط على المستوى الطبي، بل خصوصا على المستويين النفسي والروحي، حتى في بلد متقدم كفرنسا. في تلك اللحظة، تبلور لديه يقين بأن العناية بالإنسان المريض لا يمكن أن تختزل في العلاج الجسدي وحده.

وقال خلال حديقه مع يابلادي، "قلت لنفسي إن هذا الفراغ لا يجب أن يستمر، فبدأت بالتخصص في مجال الرعاية التلطيفية ورعاية الدعم في طب الأورام، من أجل توفير مرافقة أفضل والحفاظ على كرامة هؤلاء المرضى الذين يمرون أصلا بتجربة بالغة الصعوبة"

من هنا اختار وديع الذي ولد بمدينة ليون الفرنسية أن يتخصص في الطب النفسي الموجه لمرضى السرطان، وسرعان ما بدأ يشعر، منذ بدايات ممارسته، بالحاجة إلى توسيع مقاربته للعلاج. هذا الإحساس لم يكن عابرا، بل تعمق مع مرور السنوات، خصوصا وهو يرافق مرضى يعيشون الخوف، والقلق، الذي لا يجد دائما مكانا داخل البروتوكولات الطبية. ومع الوقت، صار واضحا لديه أن الأدوية، رغم أهميتها، ليست كافية وحدها.

انطلاقا من هذا الوعي، شرع في بناء مسار علمي ومهني متنوع. فإلى جانب تكوينه الطبي، حصل على الدكتوراه في علم النفس، ثم على ماستر في علوم الأعصاب. ثم تدرب على العلاج بالمنعكسات في القدمين، وعلى التدليك الطبي التايلاندي، ثم على الأيورفيدا، واعتبر ممارسة اليوغا عنصرا أساسيا في استعادة التوازن. كما تلقى تكوينا في العلاج بالفن، وفي التنويم الإيحائي، إضافة إلى علاج إزالة التحسس وإعادة المعالجة بحركات العين، كوسيلة لمقاربة الصدمات والحالات النفسية العميقة دون اللجوء إلى الحلول الدوائية.

من مرافقة المرضى إلى حماية مهنيي الصحة

سنوات عمله في مجال الأورام كشفت له واقعا آخر لا يقل إيلاما، يتعلق بالطاقم الطبي وشبه الطبي الذي يواجه يوميا معاناة المرضى ويطلب منه أن يبقى قويا في ظروف قد تكون مرهقة نفسيا على المدى الطويل.

لاحظ وديع أن العديد من مهنيي الصحة يعانون نفسيا بسبب ضغط العمل، ونقص الوقت، وقلة الموارد البشرية، حيث يجدون أنفسهم أحيانا غير قادرين على منح المرضى العناية التي يرغبون فيها، فيتحول العمل من علاقة إنسانية قائمة على الرابط إلى سلسلة من الأفعال الطبية المتسارعة، وغيرها من الإشكالات التي قد تتحول مع الزمن إلى عامل استنزاف نفسي.

من هنا، بدأ وديع يخصص جزءا من عمله لمرافقة مهنيي الصحة، سواء للتكفل بحالات الاحتراق المهني أو للوقاية منها، انطلاقا من قناعته بأن حماية من يعتنون بالآخرين شرط أساسي لاستمرار أي منظومة صحية.

وقبل سنتين، وبعد مسار مهني في فرنسا ثم في الولايات المتحدة، قرر وديع العودة بشكل نهائي إلى المغرب، وجاء قراره نتيجة اعتبارات متعددة، في مقدمتها الرغبة في الاقتراب من عائلته التي تنحدر من أولاد سعيد التي تقع بالقرب من مدينة سطات، خاصة والديه وشقيقتيه اللذين قرروا في فترة سابقة، الاستقرار بالمغرب. وقال "بالنسبة لي، تشكل العائلة نواة أساسية في الحياة لا يمكن التفريط فيها".

وسبق له أن أنجز تدريبا بمستشفى ابن رشد في مجال أورام الدم لدى الأطفال، وهي تجربة مبكرة جعلته يدرك حجم التحديات التي تواجهها المنظومة الصحية بالمغرب.

 غير أن العودة لم تكن سهلة، إذ واجه تحديات حقيقية، من إعادة تعلم الدارجة، وتعلم القراءة والكتابة، إلى بناء شبكة علاقات مهنية واجتماعية من جديد، والتعامل مع صعوبات مرتبطة أحيانا بنظرة المجتمع إلى من عاد من الخارج.

"المغرب يجري في دمي، أو بالأحرى في عروقي، وكان دائما عنصرا مهما جدا في حياتي. وخلال السنوات الأخيرة، أصبح هذا الارتباط أقوى، إذ شعرت بحاجة إلى استعادة جذوري والتجذر في مكان أكون فيه مقبولا بالكامل كما أنا"

وديع غوندالي

وخلال عودته إلى المملكة واصل ويع مساره المهني، حيث أدرك أن الصحة النفسية للطاقم الطبي في المغرب لا تحظى بالاهتمام الكافي، وغالبا ما يبرَر ذلك بنقص الموارد، بينما يرى أن المشكلة الحقيقية تكمن في ضعف ثقافة الصحة النفسية، وغياب الأدوات القادرة على التخفيف من المعاناة النفسية التي يعيشها الأطباء والممرضون، في بلد يعاني أصلا من محدودية عددهم.

"الموارد البشرية ثروة حقيقية يجب صيانتها، من خلال التكوين المستمر، وإتاحة فضاءات للبحث، ومجموعات للكلام والتأمل، فذلك يسمح بتفريغ الضغط ومواجهة الصعوبات قبل أن تتحول إلى أزمات".

وديع غوندالي

"راحة"… رقمنة الصحة النفسية برؤية ثقافية مغربية

ومن هذا الوعي، انطلق في العمل على مشروع رقمي يتمثل في تطبيق مخصص للصحة النفسية يحمل اسم  "راحة"، موجه بالأساس للمغاربة ولمنطقة الشرق الأوسط. وأوضح قائلا "يهدف هذا التطبيق إلى تقديم بديل للتطبيقات القائمة التي تعتمد غالبا على مقاربة نفسية غربية، من خلال محتوى يأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الثقافية واللغوية. سيوفر التطبيق جزءا مجانيا للتثقيف النفسي عبر كبسولات باللغات العربية، والدارجة، والفرنسية، والأمازيغية، بهدف التوعية وإتاحة موارد مبسطة للجميع".

في حين سيتيح جزء آخر، خاضع لاشتراك مدروس ليبقى في المتناول، متابعة عبر روبوت محادثة تم تدريبه خصيصا لهذا الغرض، إضافة إلى الربط مع مختصين حقيقيين من أطباء نفسيين وأخصائيي علم النفس. كما أوضح الطبيب النفسي، أنه يجري التفكير في شراكات مع مؤسسات مغربية لتوسيع نطاق الاستفادة.

ومؤخرا، وسع التزامه ليشمل العمل التوعوي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بالفرنسية والدارجة، موجها خطابه أساسا إلى المغاربة.

أما مشاريعه المستقبلية بالمغرب، فتتوزع بين مواصلة تكوين الأطر الطبية وشبه الطبية لتحسين مرافقة مرضى السرطان، وتقديم تكوينات لمهنيي الصحة النفسية في مجالات مثل علاج المخططات وEMDR بشروط أكثر قابلية، ومرافقة جمعيات مدنية مثل Operation Smile Maroc عبر تكوينات مجانية في الجوانب النفسية والاجتماعية، والتفكير في شراكات مع SOS Village Maroc لإعادة تجارب سابقة شملت ورشات وتقييمات للأطفال في وضعية صعبة، إضافة إلى تعزيز التعاون بين شركته «Another Way» والمؤسسات العمومية كوزارة الصحة ووزارة الشباب والرياضة، بهدف تقليص المعاناة النفسية في المغرب، خاصة تلك التي تعاش في صمت ووحدة.

يرى وديع غوندالي، أن الصحة النفسة شيء لا يستهان به، فلمن يترددون في استشارة مختص في الصحة النفسية، "أقول لهم إن الصحة النفسية ليست ضعفا بل قوة، وأن المعاناة النفسية ليست عيبا ولا وصمة، بل حالة إنسانية تستحق العناية". 

كن أول من يضيف تعليق على هذا المقال